البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٦ - فتح سمرقند
و وضع فيه المنبر- فصلى في المسجد و خطب و تغدى و أتى بالأصنام التي لهم فسلبت بين يديه، و ألقيت بعضها فوق بعض، حتى صارت كالقصر العظيم، ثم أمر بتحريقها، فتصارخوا و تباكوا و قال المجوس: إن فيها أصناما قديمة من أحرقها هلك، و جاء الملك غورك فنهى عن ذلك، و قال لقتيبة:
إني لك ناصح، فقام قتيبة و أخذ في يده شعلة نار و قال: أنا أحرقها بيدي فيكدونى جميعا ثم لا تنظرون، ثم قام إليها و هو يكبر اللَّه عز و جل، و ألقى فيها النار فاحترقت، فوجد من بقايا ما كان فيها من الذهب خمسون ألف مثقال من ذهب. و كان من جملة ما أصاب قتيبة في السبي جارية من ولد يزدجرد، فأهداها إلى الوليد فولدت له يزيد بن الوليد، ثم استدعى قتيبة بأهل سمرقند فقال لهم: إني لا أريد منكم أكثر مما صالحتكم عليه، و لكن لا بد من جند يقيمون عندكم من جهتنا.
فانتقل عنها ملكها غورك خان فتلا قتيبة وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَ ثَمُودَ فَما أَبْقى الآيات ثم ارتحل عنها قتيبة إلى بلاد مرو، و استخلف على سمرقند أخاه عبد اللَّه بن مسلم، و قال له: لا تدع مشركا يدخل باب سمرقند إلا مختوم اليد، ثم لا تدعه بها إلا مقدار ما تجف طينة ختمه، فان جفت و هو بها فأقتله، و من رأيت منهم و معه حديدة أو سكينة فأقتله بها، و إذا أغلقت الباب فوجدت بها أحدا فأقتله، فقال في ذلك كعب الأشقري- و يقال هي لرجل من جعفي:-
كل يوم يحوى قتيبة نهبا* * * و يزيد الأموال مالا جديدا
بأهلي قد ألبس التاج حتى* * * شاب منه مفارق كن سودا
دوّخ الصغد بالكتائب حتى* * * ترك الصغد بالعراء قعودا
فوليد يبكى لفقد أبيه* * * و أب موجع يبكى الوليدا
كلما حل بلدة أو أتاها* * * تركت خيله بها أخدودا
و في هذه السنة عزل موسى بن نصير نائب بلاد المغرب مولاه طارقا عن الأندلس، و كان قد بعثه إلى مدينة طليطلة ففتحها فوجد فيها مائدة سليمان بن داود (عليهما السلام)، و فيها من الذهب و الجواهر شيء كثير جدا، فبعثوا بها إلى الوليد بن عبد الملك، فما وصلت إليه حتى مات و تولى أخوه سليمان بن عبد الملك، فوصلت مائدة سليمان (عليه السلام) إلى سليمان على ما سيأتي بيانه في موضعه، و كان فيها ما يبهر العقول، لم ير منظر أحسن منها. و استعمل موسى بن نصير مكان مولاه ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير. و فيها بعث موسى بن نصير العساكر و بثها في بلاد المغرب، فافتتحوا مدنا كثيرة من جزيرة الأندلس منها قرطبة و طنجة، ثم سار موسى بنفسه إلى غرب الأندلس فافتتح مدينة باجة و المدينة البيضاء و غيرهما من المدن الكبار و الأقاليم، و من القرى و الرساتيق شيء كثير، و كان لا يأتى مدينة فيبرح عنها حتى يفتحها أو ينزلوا على حكمه، و جهز البعوث و السرايا غربا