البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٥ - فتح سمرقند
فتح سمرقند
و ذلك أن قتيبة لما فرغ من هذا كله و عزم على الرجوع إلى بلاده، قال له بعض الأمراء: إن أهل الصغد قد أمّنوك عامك هذا، فان رأيت أن تعدل إليهم و هم لا يشعرون، فإنك متى فعلت ذلك أخذتها إن كنت تريدها يوما من الدهر. فقال قتيبة لذلك الأمير: هل قلت هذا لأحد؟ قال:
لا! قال فلأن يسمعه منك أحد أضرب عنقك. ثم بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن بن مسلم بين يديه في عشرين ألفا فسبقه إلى سمرقند، و لحقه قتيبة في بقية الجيش، فلما سمعت الأتراك بقدومهم إليهم انتخبوا من بينهم كل شديد السطوة من أبناء الملوك و الأمراء، و أمروهم أن يسيروا إلى قتيبة في الليل فيكبسوا جيش المسلمين، و جاءت الأخبار إلى قتيبة بذلك فجرد أخاه صالحا في ستمائة فارس من الأبطال الذين لا يطاقون، و قال: خذوا عليهم الطريق، فساروا فوقفوا لهم في أثناء الطريق و تفرقوا ثلاث فرق، فلما اجتازوا بهم بالليل- و هم لا يشعرون بهم- نادوا عليهم فاقتتل المسلمون هم و إياهم، فلم يفلت من أولئك الأتراك إلا النفر اليسير و احتزوا رءوسهم و غنموا ما كان معهم من الاسلحة المحلاة بالذهب، و الأمتعة، و قال لهم بعض أولئك: تعلمون أنكم لم تقتلوا في مقامكم هذا إلا ابن ملك أو بطل من الأبطال المعدودين بمائة فارس أو بألف فارس، فنفلهم قتيبة جميع ما غنموه منهم من ذهب و سلاح، و اقترب من المدينة العظمى التي بالصغد- و هي سمرقند- فنصب عليها المجانيق فرماها بها، و هو مع ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، و ناصحه من معه عليها من بخارى و خوارزم، فقاتلوا أهل الصغد قتالا شديدا، فأرسل إليه غورك ملك الصغد: إنما تقاتلني بإخواني و أهل بيتي، فاخرج إلى في العرب. فغضب عند ذلك قتيبة و ميز العرب من العجم و أمر العجم باعتزالهم، و قدم الشجعان من العرب و أعطاهم جيد السلاح، و انتزعه من أيدي الجبناء، و زحف بالأبطال على المدينة و رماها بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة فسدها الترك بغرار الدخن، و قام رجل منهم فوقها فجعل يشتم قتيبة فرماه رجل من المسلمين بسهم فقلع عينه حتى خرجت من قفاه. فلم يلبث أن مات قبحه اللَّه، فأعطى قتيبة الّذي رماه عشرة آلاف، ثم دخل الليل، فلما أصبحوا رماهم بالمجانيق فثلم أيضا ثلمة و صعد المسلمون فوقها، و تراموا هم و أهل البلد بالنشاب، فقالت الترك لقتيبة: ارجع عنا يومك هذا و نحن نصالحك غدا، فرجع عنهم و صالحوه من الغد على ألفى ألف و مائة ألف يحملونها إليه في كل عام، و على أن يعطوه في هذه السنة ثلاثين ألف رأس من الرقيق، ليس فيهم صغير و لا شيخ و لا عيب، و في رواية مائة ألف من رقيق، و على أن يأخذ حلية الأصنام و ما في بيوت النيران، و على أن يخلوا المدينة من المقاتلة حتى يبنى فيها قتيبة مسجدا، و يوضع له فيه منبر يخطب عليه، و يتغدى و يخرج. فأجابوه إلى ذلك، فلما دخلها قتيبة دخلها و معه أربعة آلاف من الأبطال- و ذلك بعد أن بنى المسجد