البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨ - ثم دخلت سنة خمس و سبعين
و النفاق، و مساوى الأخلاق، و اللَّه إن كان أمركم ليهمني قبل أن آتى إليكم، و لقد كنت أدعو اللَّه أن يبتليكم بى، و لقد سقط منى البارحة سوطي الّذي أؤدبكم به، فاتخذت هذا مكانه- و أشار إلى سيفه-، ثم قال: و اللَّه لآخذن صغيركم بكبيركم، و حركم بعبدكم، ثم لأرصعنكم رصع الحداد الحديدة، و الخباز العجينة. فلما سمعوا كلامه جعل الحصى يتساقط من أيديهم، و قيل إنه دخل الكوفة في شهر رمضان ظهرا فأتى المسجد و صعد المنبر و هو معتجر بعمامة حمراء متلثم بطرفها، ثم قال: على بالناس! فظنه الناس و أصحابه من الخوارج فهموا به حتى إذا اجتمع الناس قام و كشف عن وجهه اللثام و قال:
أنا ابن جلا و طلاع الثنايا* * * متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال: أما و اللَّه إني لأحمل الشيء بحمله، و أحذوه بنعله، و أحزمه بفتله، و إني لأرى رءوسا قد أينعت و آن اقتطافها، و إني لأنظر إلى الدماء تترقرق بين العمائم و اللحى، قد شمرت عن ساقها فشمرى، ثم أنشد:-
هذا أوان الشد فاشتدّي زيم* * * قد لفها الليل بسواق حطم
لست براعي إبل و لا غنم* * * و لا بجزّار على ظهر و ضم
قد لفها الليل بعصلبى* * * أروع خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي
ثم قال: إني و اللَّه يا أهل العراق ما أغمز بغماز، و لا يقعقع لي بالشنان، و لقد فررت عن ذكاء و جربت من الغاية القصوى، و إن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نثر كنانته ثم عجم عيدانها عودا عودا فوجدني أمرها عودا و أصلبها مغمزا فوجهني إليكم، فأنتم طالما رتعتم في أودية الفتن، و سلكتم سبيل الغي، و اخترتم جدد الضلال، أما و اللَّه لألحونكم لحي العود، و لأعصبنكم عصب السلمة، و لأضربنكم ضرب غرائب الإبل، إني و اللَّه لا أعد إلا وفيت، و لا أحلق إلا فريت، فإياي و هذه الجماعات و قيلا و قالا، و اللَّه لتستقيمن على سبيل الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده.
ثم قال: من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب- يعنى الذين كانوا قد رجعوا عنه لما سمعوا بموت بشر ابن مروان كما تقدم- سفكت دمه و انتهبت ماله، ثم نزل فدخل منزله و لم يزد على ذلك، و يقال إنه لما صعد المنبر و اجتمع الناس تحته أطال السكوت حتى أن محمد بن عمير أخذ كفا من حصى و أراد أن يحصبه بها، و قال: قبحه اللَّه ما أعياه و أذمه! فلما نهض الحجاج و تكلم بما تكلم به جعل الحصى يتناثر من يده و هو لا يشعر به، لما يرى من فصاحته و بلاغته. و يقال إنه قال في خطبته هذه: شاهت الوجوه إن اللَّه ضرب مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ و أنتم أولئك فاستووا