البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٨ - ثم دخلت سنة تسعين من الهجرة
عظيمة جدا لم يسمع بمثلها، و صلب منهم سماطين في مسافة أربعة فراسخ في نظام واحد، و ذلك مما كسر جموعهم كلهم.
و في هذه السنة هرب يزيد بن المهلب و أخواه المفضل و عبد الملك من سجن الحجاج، فلحقوا بسليمان بن عبد الملك فأمنهم من الحجاج، و ذلك أن الحجاج كان قد احتاط عليهم قبل ذلك و عاقبهم عقوبة عظيمة، و أخذ منهم ستة آلاف ألف، و كان أصبرهم على العقوبة يزيد بن المهلب، كان لا يسمع له صوت و لو فعلوا به ما فعلوا نكاية لذلك، و كان ذلك يغيظ الحجاج، قال قائل للحجاج: إن في ساقه أثر نشابة بقي نصلها فيه، و إنه متى أصابها شيء لا يملك نفسه أن يصرخ، فأمر الحجاج أن ينال ذلك الموضع منه بعذاب، فصاح فلما سمعت أخته هند بنت المهلب- و كانت تحت الحجاج- صوته بكت و ناحت عليه فطلقها الحجاج ثم أودعهم السجن، ثم خرج الحجاج إلى بعض المحال لينفذ جيشا إلى الأكراد و استصحبهم معه، فخندق حولهم و وكل بهم الحرس، فلما كان في بعض الليالي أمر يزيد ابن المهلب بطعام كثير فصنع للحرس، ثم تنكر في هيئة بعض الطباخين و جعل لحيته لحية بيضاء و خرج فرآه بعض الحرس فقال: ما رأيت مشية أشبه بمشية يزيد بن المهلب من هذا، ثم تبعه يتحققه، فلما رأى بياض لحيته انصرف عنه، ثم لحقه أخواه فركبوا السفن و ساروا نحو الشام، فلما بلغ الحجاج هربهم انزعج لذلك و ذهب وهمه أنهم ساروا إلى خراسان، فكتب إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم و يأمره بالاستعداد لهم، و أن يرصدهم في كل مكان، و يكتب إلى أمراء الثغور و الكور بتحصيلهم.
و كتب إلى أمير المؤمنين يخبره بهربهم، و أنه لا يراهم هربوا إلا إلى خراسان، و خاف الحجاج من يزيد أن يصنع كما صنع ابن الأشعث من الخروج عليه و جمع الناس له، و تحقق عنده قول الراهب.
و أما يزيد بن المهلب فإنه سلك على البطائح و جاءته خيول كان قد أعدها له أخوه مروان بن المهلب لهذا اليوم، فركبها و سلك به دليل من بنى كلب يقال له عبد الجبار بن يزيد، فأخذ بهم على السماوة، و جاء الخبر إلى الحجاج بعد يومين أن يزيد قد سلك نحو الشام، فكتب إلى الوليد يعلمه بذلك، و سار يزيد حتى نزل الأردن على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي- و كان كريما على سليمان بن عبد الملك- فسار وهيب إلى سليمان بن عبد الملك فقال له: إن يزيد بن المهلب و أخويه في منزلي، قد جاءوا مستعيذين بك من الحجاج، قال: فاذهب فأتنى بهم فهم آمنون ما دمت حيا، فجاءهم فذهب بهم حتى أدخلهم على سليمان بن عبد الملك، فأمنهم سليمان و كتب إلى أخيه الوليد: إن آل المهلب قد أمنتهم، و إنما بقي للحجاج عندهم ثلاثة آلاف ألف، و هي عندي. فكتب إليه الوليد: لا و اللَّه لا أؤمنه حتى تبعث به إلى. فكتب إليه: لا و اللَّه لا أبعثه حتى أجيء معه، فأنشدك اللَّه يا أمير المؤمنين أن تفضحني أو تخفرنى في جواري. فكتب إليه: لا و اللَّه لا تجيء معه و ابعث به إلى في وثاق. فقال يزيد: ابعث