البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧ - ثم دخلت سنة خمس و سبعين
بشر بن مروان
الأموي أخو عبد الملك بن مروان، ولى إمرة العراقين لأخيه عبد الملك، و له دار بدمشق عند عقبة اللباب، و كان سمحا جوادا، و إليه ينسب دير مروان عند حجير، و هو الّذي قتل خالد بن حصين الكلابي يوم مرج راهط، و كان لا يغلق دونه الأبواب و يقول: إنما يحتجب النساء، و كان طليق الوجه، و كان يجيز على الشعر بألوف، و قد امتدحه الفرزدق و الأخطل، و الجهمية تستدل على الاستواء على العرش بأنه الاستيلاء ببيت الأخطل.
قد استوى بشر على العراق* * * من غير سيف و دم مهراق
و ليس فيه دليل، فان هذا استدلال باطل من وجوه كثيرة، و قد كان الأخطل نصرانيا، و كان سبب موت بشر أنه وقعت القرحة في عينه فقيل له يقطعها من المفصل فجزع فما أحس حتى خالطت الكتف، ثم أصبح و قد خالطت الجوف ثم مات، و لما احتضر جعل يبكى و يقول: و اللَّه لوددت أنى كنت عبدا أرعى الغنم في البادية لبعض الأعراب و لم أل ما وليت، فذكر قوله لأبي حازم- أو لسعيد بن المسيب-، فقال: الحمد اللَّه الّذي جعلهم عند الموت يفرون إلينا و لم يجعلنا نفر إليهم، إنا لنرى فيهم عبرا، و قال الحسن: دخلت عليه فإذا هو يتململ على سريره ثم نزل عنه إلى صحن الدار، و الأطباء حوله. مات بالبصرة في هذه السنة و هو أول أمير مات بها، و لما بلغ عبد الملك موته حزن عليه و أمر الشعراء أن يرثوه و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
ثم دخلت سنة خمس و سبعين
ففيها غزا محمد بن مروان- أخو عبد الملك بن مروان و هو والد مروان الحمار- صائفة الروم حين خرجوا من عند مرعش، و فيها ولى عبد الملك نيابة المدينة ليحيى بن أبى العاص، و هو عمه، و عزل عنها الحجاج. و فيها ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف نيابة العراق و البصرة و الكوفة و ما يتبع ذلك من الأقاليم الكبار، و ذلك بعد موت أخيه بشر، فرأى عبد الملك أنه لا يسد عنه أهل العراق غير الحجاج لسطوته و قهره و قسوته و شهامته، فكتب إليه و هو بالمدينة ولاية العراق، فسار من المدينة إلى العراق في اثنى عشر راكبا، فدخل الكوفة على حين غفلة من أهلها و كان تحتهم النجائب، فنزل قريب الكوفة فاغتسل و اختضب و لبس ثيابه و تقلد سيفه و ألقى عذبة العمامة بين كتفيه، ثم سار فنزل دار الامارة، و ذلك يوم الجمعة و قد أذن المؤذن الأول لصلاة الجمعة، فخرج عليهم و هم لا يعلمون، فصعد المنبر و جلس عليه و أمسك عن الكلام طويلا، و قد شخصوا إليه بأبصارهم و جثوا على الركب و تناولوا الحصى ليحذفوه بها، و قد كانوا حصبوا الّذي كان قبله، فلما سكت أبهتهم و أحبوا أن يسمعوا كلامه، فكان أول ما تكلم به أن قال: يا أهل العراق يا أهل الشقاق