البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٩ - عبد العزيز بن مروان
إليه عبد الملك يأمره. بحمل خراج مصر- و قد كان عبد العزيز لا يحمل إليه شيئا من الخراج و لا غيره، و إنما كانت بلاد مصر بكمالها و بلاد المغرب و غير ذلك كلها لعبد العزيز، مغانمها و خراجها و حملها- فكتب عبد العزيز إلى عبد الملك: إني و إياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سنّا لا يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلا، و إني لا أدرى و لا تدري أينا يأتيه الموت أولا، فان رأيت أن لا تعتب عليّ بقية عمري فافعل، فرق له عبد الملك و كتب إليه: لعمري لا أعتب عليك بقية عمرك.
و قال عبد الملك لابنه الوليد: إن يرد اللَّه أن يعطيكها لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك عنك، ثم قال لابنه الوليد و سليمان: هل قارفتما محرما أو حراما قط؟ فقالا: لا و اللَّه، فقال: اللَّه أكبر، نلتماها و رب الكعبة. و يقال إن عبد الملك لما امتنع أخوه من إجابته إلى ما طلب منه في بيعته لولده الوليد دعا عليه و قال: اللَّهمّ إنه قطعني فاقطعه، فمات في هذه السنة كما ذكرنا، فلما جاءه الخبر بموت أخيه عبد العزيز ليلا حزن و بكى و بكى أهله بكاء كثيرا على عبد العزيز، و لكن سره ذلك من جهة ابنيه فإنه نال فيها ما كان يؤمله لهما من ولايته إياهما بعده. و قد كان الحجاج بعث إلى عبد الملك يحسن له ولاية الوليد و يزينها له من بعده، و أوفد إليه وفدا في ذلك عليهم عمران بن عصام العثرى، فلما دخلوا عليه قام عمران خطيبا فتكلم و تكلم الوفد في ذلك و حثوا عبد الملك على ذلك و أنشد عمران بن عصام في ذلك:
أمير المؤمنين إليك نهدى* * * على النأى التحية و السلاما
أجبنى في بنيك يكن جوابي* * * لهم عاديّة و لنا قواما
فلو أن الوليد أطاع فيه* * * جعلت له الخلافة و الذماما
شبيهك حول قبته قريش* * * به يستمطر الناس الغماما
و مثلك في التقى لم يصب يوما* * * لدن خلع القلائد و التماما
فان تؤثر أخاك بها فانا* * * و جدك لا نطيق لها اتهاما
و لكنا نحاذر من بنيه* * * بنى العلات مأثرة سماما
و نخشى إن جعلت الملك فيهم* * * سحابا أن تعود لهم جهاما
فلا يك ما حلبت غدا لقوم* * * و بعد غد بنوك هم العباما
فأقسم لو تخطاني عصام* * * بذلك ما عذرت به عصاما
و لو أنى حبوت أخا بفضل* * * أريد به المقالة و المقاما
لعقّب في بنىّ على بنيه* * * كذلك أو لرمت له مراما
فمن يك في أقاربه صدوع* * * فصدع الملك أبطؤه التئاما