البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٦ - ثم دخلت سنة خمس و ثمانين
بعبيد بن موهب فدخل عليه و هو ينكت في الأرض فرفع رأسه إليه فقال: ويحك يا عبيد، إن أهل الكتاب يذكرون أن ما تحت يدي سيليه رجل يقال له يزيد، و قد تذكرت يزيد بن أبى كبشة و يزيد ابن حصين بن نمير و يزيد بن دينار و ليسوا هناك، و ما هو إلا يزيد بن المهلب. فقال عبيد: لقد شرفتهم و عظمت ولايتهم و إن لهم لقدرا و جلدا و حظا فأخلق به. فأجمع رأى الحجاج على عزل يزيد ابن المهلب، فكتب إلى عبد الملك يذمه و يخوفه غدره و يخبره بما أخبره به ذلك الشيخ الكتابي، فجاء البريد بكتاب فيه قد أكثرت في شأن يزيد فسم رجلا يصلح لخراسان، فوقع اختيار الحجاج على المفضل بن المهلب فولاه قليلا تسعة أشهر، فغزا بلاد عبس و غيرها و غنم مغانم كثيرة، و امتدحه الشعراء ثم عزله بقتيبة بن مسلم.
قال ابن جرير: و في هذه السنة قتل موسى بن عبد اللَّه بن خازم بترمذ، ثم ذكر سبب ذلك و ملخصه أنه بعد مقتل أبيه لم يبق بيده بلد يلجأ إليه بمن معه من أصحابه، فجعل كلما اقترب من بلدة خرج إليه ملكها فقاتله، فلم يزل ذلك دأبه حتى نزل قريبا من ترمذ و كان ملكها فيه ضعف، فجعل يهادنه و يبعث إليه بالالطاف و التحف، حتى جعل يتصيد هو و هو، ثم عن للملك فعمل له طعاما و بعث إلى موسى بن عبد اللَّه بن خازم أن ائتني في مائة من أصحابك، فاختار موسى من جيشه مائة من شجعانهم، ثم دخل البلد فلما فرغت الضيافة اضطجع موسى في دار الملك و قال: و اللَّه لا أقوم من هنا حتى يكون هذا المنزل منزلي أو يكون قبري: فثار أهل القصر إليه فحاجف عنه أصحابه، ثم وقعت الحرب بينهم و بين أهل ترمذ، فاقتتلوا فقتل من أهل ترمذ خلق كثير و هرب بقيتهم، و استدعى موسى ببقية جيشه إليه و استحوذ موسى على البلد فحصنها و منعها من الأعداء، و خرج منها ملكها هاربا فلجأ إلى إخوانه من الأتراك فاستنصرهم فقالوا له: هؤلاء قوم نحو من مائة رجل أخرجوك من بلدك، لا طاقة لنا بقتال هؤلاء. ثم ذهب ملك ترمذ إلى طائفة أخرى من الترك فاستصرخهم فبعثوا معه قصادا نحو موسى ليسمعوا كلامه، فلما أحس بقدومهم- و كان ذلك في شدة الحر- أمر أصحابه أن يؤججوا نارا و يلبسوا ثياب الشتاء و يدنوا أيديهم من النار كأنهم يصطلون بها، فلما وصلت إليهم الرسل رأوا أصحابه و ما يصنعون في شدة الحر فقالوا لهم: ما هذا الّذي نراكم تفعلون؟ فقالوا لهم: إنا نجد البرد في الصيف و الكرب في الشتاء، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: ما هؤلاء بشر، ما هؤلاء إلا جن ثم عادوا إلى ملكهم فأخبروه بما رأوا فقالوا: لا طاقة لنا بقتال هؤلاء. ثم ذهب صاحب ترمذ فاستجاش بطائفة أخرى فجاءوا فحاصرهم بترمذ و جاء الخزاعي فحاصرهم أيضا، فجعل يقاتل الخزاعي أول النهار و يقاتل آخره العجم، ثم إن موسى بيتهم فقتل منهم مقتلة عظيمة و أفزع ذلك عمر الخزاعي فصالحه و كان معه، فدخل يوما عليه و ليس عنده أحد، و ليس يرى معه سلاحا فقال له على وجه النصح