البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٥ - جميل بن عبد اللَّه
و أمها ثوبا فتحادثنا إلى الغروب، قال كثير: فرجعت حتى أنخت بهم. فقال أبو بثينة: ما ردك يا ابن أخى؟ فقلت: أبيات قلتها فرجعت لأعرضها عليك. فقال: و ما هي؟ فأنشدته و بثينة تسمع من وراء الحجاب:-
فقلت لها يا عز أرسل صاحبي* * * إليك رسولا و الرسول موكل
بأن تجعلي بيني و بينك موعدا* * * و أن تأمرينى ما الّذي فيه أفعل
و آخر عهدي منك يوم لقيتني* * * بأسفل وادي الدوم و الثوب يغسل
فلما كان الليل أقبلت بثينة إلى المكان الّذي واعدته إليه، و جاء جميل و كنت معهم فما رأيت ليلة أعجب منها و لا أحسن منادمات، و انفض ذلك المجلس و ما أدرى أيهما أفهم لما في ضمير صاحبه منه.
و ذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي أنه دخل على جميل و هو يموت فقال له:
ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط، و لم يزن قط، و لم يسرق و لم يقتل النفس و هو يشهد أن لا إله إلا اللَّه؟ قال: أظنه قد نجا و أرجو له الجنة، فمن هذا؟ قال: أنا، فقلت اللَّه: ما أظنك سلمت و أنت تشبب بالنساء منذ عشرين سنة، ببثينة. فقال: لا نالتنى شفاعة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، و إني لفي أول يوم من أيام الآخرة و آخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها بريبة، قال: فما برحنا حتى مات. قلت: كانت وفاته بمصر لأنه كان قد قدم على عبد العزيز بن مروان فأكرمه و سأله عن حبه بثينة فقال: شديدا، و استنشده من أشعاره و مدائحه فأنشده فوعده أن يجمع بينه و بينها فعاجلته المنية في سنة ثنتين و ثمانين (رحمه اللَّه) آمين.
و قد ذكر الأصمعي عن رجل أن جميلا قال له: هل أنت مبلغ عنى رسالة إلى حي بثينة و لك ما عندي؟ قال نعم! قال: إذا أنامت فاركب ناقتي و البس حلتى هذه و أمره أن يقول أبياتا منها قوله
قومي بثينة فاندبى بعويل* * * و ابكى خليلا دون كل خليل
فلما انتهى إلى حيهم أنشد الأبيات فخرجت بثينة كأنها بدرسرى في جنة و هي تتثنى في مرطها فقالت له: ويحك إن كنت صادقا فقد قتلتني، و إن كنت كاذبا فقد فضحتني. فقلت: بلى و اللَّه صادق و هذه حلته و ناقته، فلما تحققت ذلك أنشدت أبياتا ترثيه بها و تتأسف عليه فيها، و أنه لا يطيب لها العيش بعده، و لا خير لها في الحياة بعد فقده، ثم ماتت من ساعتها: قال الرجل: فما رأيت أكثر باكيا و لا باكية من يومئذ.
و روى ابن عساكر عنه أنه قيل له بدمشق: لو تركت الشعر و حفظت القرآن؟
فقال: هذا أنس بن مالك يخبرني عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال: «إن من الشعر لحكمة»