البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤١ - الزهري
فسألني عن ذلك كله فأجبته، فقضى ديني و أمر لي بجائزة، و قال لي: اطلب العلم فانى أرى لك عينا حافظة و قلبا ذكيا، قال: فرجعت إلى المدينة أطلب العلم و أتتبعه، فبلغني أن امرأة بقباء رأت رؤيا عجيبة، فأتيتها فسألتها عن ذلك، فقالت: إن بعلي غاب و ترك لنا خادما و داجنا و نخيلات، نشرب من لبنها، و نأكل من ثمرها، فبينما أنا بين النائمة و اليقظى رأيت كأن ابني الكبير- و كان مشتدا- قد أقبل فأخذ الشفرة فذبح ولد الداجن، و قال: إن هذا يضيق علينا اللبن، ثم نصب القدر و قطعها و وضعها فيه، ثم أخذ الشفرة فذبح بها أخاه، و أخوه صغير كما قد جاء، ثم استيقظت مذعورة، فدخل ولدى الكبير فقال: أين اللبن؟ فقلت: يا بنى شربه ولد الداجن، فقال: إنه قد ضيق علينا اللبن، ثم أخذ الشفرة فذبحه و قطعه في القدر، فبقيت مشفقة خائفة مما رأيت، فأخذت ولدى الصغير فغيبته في بعض بيوت الجيران، ثم أقبلت إلى المنزل و أنا مشفقة جدا مما رأيت، فأخذتني عيني فنمت فرأيت في المنام قائلا يقول: ما لك مغتمة؟ فقلت: إني رأيت مناما فأنا أحذر منه فقال: يا رؤيا يا رؤيا، فأقبلت امرأة حسناء جميلة، فقال: ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة؟ قالت: ما أردت إلا خيرا، ثم قال يا أحلام يا أحلام، فأقبلت امرأة دونها في الحسن و الجمال، فقال: ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة؟ فقالت: ما أردت إلا خيرا، ثم قال: يا أضغاث يا أضغاث، فأقبلت امرأة سوداء شنيعة فقال: ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة؟ فقالت إنها امرأة صالحة فأحببت أن أعلمها ساعة، ثم استيقظت فجاء ابني فوضع الطعام و قال: أين أخى؟ فقلت: درج إلى بيوت الجيران، فذهب وراءه فكأنما هدى إليه، فأقبل به يقبله، ثم جاء فوضعه و جلسنا جميعا فأكلنا من ذلك الطعام.
ولد الزهري في سنة ثمان و خمسين في آخر خلافة معاوية، و كان قصيرا قليل اللحية، له شعرات طوال خفيف العارضين. قالوا: و قد قرأ القرآن في نحو من ثمان و ثمانين يوما، و جالس سعيد بن المسيب ثمان سنين، تمس ركبته ركبته، و كان يخدم عبيد اللَّه بن عبد اللَّه يستسقى له الماء المالح، و يدور على مشايخ الحديث، و معه ألواح يكتب عنهم فيها الحديث، و يكتب عنهم كل ما سمع منهم، حتى صار من أعلم الناس و أعلمهم في زمانه، و قد احتاج أهل عصره إليه.
و قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري قال: كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحدا من المسلمين. و قال أبو إسحاق: كان الزهري يرجع من عند عروة فيقول لجارية عنده فيها لكنة: ثنا عروة ثنا فلان، و يسرد عليها ما سمعه منه، فتقول له الجارية: و اللَّه ما أدرى ما تقول، فيقول لها: اسكتي لكاع، فانى لا أريدك، إنما أريد نفسي. ثم وفد على عبد الملك بدمشق كما تقدم فأكرمه و قضى دينه و فرض له في بيت المال، ثم كان بعد من أصحابه و جلسائه، ثم كان كذلك عند أولاده من بعده، الوليد و سليمان، و كذا عند عمر