البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٤ - إياس الذكي
قال خليفة بن خياط: كانت وفاة البطال و مقتله بأرض الروم في سنة إحدى و عشرين و مائة، و قال ابن جرير: في سنة ثنتين و عشرين و مائة، و قال ابن حسان الزيادي: قتل في سنة ثلاث عشرة و مائة، قيل و قد قاله غيره و إنه قتل هو و الأمير عبد الوهاب بن بخت في سنة ثلاث عشرة و مائة كما ذكرنا ذلك فاللَّه أعلم، و لكن ابن جرير لم يؤرخ وفاته إلا في هذه السنة فاللَّه أعلم.
قلت: فهذا ملخص ابن عساكر في ترجمة البطال مع تفصيله للاخبار و اطلاعه عليها، و أما ما يذكره العامة عن البطال من السيرة المنسوبة الى دلهمة و البطال و الأمير عبد الوهاب و القاضي عقبة، فكذب و افتراء و وضع بارد، و جهل و تخبط فاحش، لا يروج ذلك إلا على غبي أو جاهل ردى. كما يروج عليهم سيرة عنترة العبسيّ المكذوبة، و كذلك سيرة البكري و الدنف و غير ذلك، و الكذب المفتعل في سيرة البكري أشد إثما و أعظم جرما من غيرها، لأن واضعها يدخل في
قول النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): «من كذب على متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار».
و ممن توفى في هذه السنة من الأعيان:
إياس الذكي
و هو إياس بن معاوية بن مرة بن إياس بن هلال بن رباب بن عبيد بن دريد بن أوس بن سواه ابن عمرو بن سارية بن ثعلبة بن ذبيان بن ثعلبة بن أوس بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، هكذا نسبه خليفة بن خياط، و قيل غير ذلك في نسبه، و هو أبو واثلة المزني قاضى البصرة، و هو تابعي و لجده صحبة، و كان يضرب المثل بذكائه، روى عن أبيه عن جده مرفوعا في الحياء عن أنس و سعيد بن جبير و سعيد بن المسبب و نافع و أبى مجلز، و عنه الحمادان و شعبة و الأصمعي و غيرهم. قال عنه محمد بن سيرين: إنه لفهم إنه لفهم، و قال محمد بن سعد و العجليّ و ابن معين و النسائي: ثقة. زاد ابن سعد و كان عاقلا من الرجال فطنا، و زاد العجليّ و كان فقيها عفيفا. و قدم دمشق في أيام عبد الملك بن مروان، و وفد على عمر بن عبد العزيز، و مرة أخرى حين عزله عدي بن أرطاة عن قضاء البصرة. قال أبو عبيدة و غيره: تحاكم إياس و هو صبي شاب و شيخ إلى قاضى عبد الملك بن مروان بدمشق، فقال له القاضي: إنه شيخ و أنت شاب فلا تساوه في الكلام، فقال إياس: إن كان كبيرا فالحق أكبر منه، فقال له القاضي: اسكت، فقال:
و من يتكلم بحجتي إذا سكت؟ فقال القاضي: ما أحسبك تنطق بحق في مجلسى هذا حتى تقوم، فقال إياس: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، زاد غيره فقال القاضي: ما أظنك إلا ظالما له، فقال: ما على ظن القاضي خرجت من منزلي، فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره خبره فقال: اقض حاجته و أخرجه الساعة من دمشق لا يفسد على الناس.
و قال بعضهم: لما عزله عدي بن أرطاة عن قضاء البصرة فرّ منه إلى عمر بن عبد العزيز فوجده