البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٢ - عبد اللَّه أبو يحيى المعروف بالبطال
قال البطال فسألني بعض ولاة بنى أمية عن أعجب ما كان من أمرى في مغازي فيهم، فقلت له:
خرجت في سرية ليلا فدفعنا إلى قرية فقلت لأصحابى: ارخوا لجم خيلكم و لا تحركوا أحدا بقتل و لا بشيء حتى تستمكنوا من القرية و من سكانها، ففعلوا و افترقوا في أزقتها، فدفعت في أناس من أصحابى إلى بيت يزهر سراجه، و إذا امرأة تسكت ابنها من بكائه، و هي تقول له: لتسكتن أو لأدفعنك إلى البطال يذهب بك، و انتشلته من سريره و قالت: خذه يا بطال، قال: فأخذته.
و روى محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم عن أبى مروان الأنطاكي عن البطال قال: انفردت مرة ليس معى أحد من الجند، و قد سمطت خلفي مخلاة فيها شعير، و معى منديل فيه خبز و شواء، فبينا أنا أسير لعلى ألقى أحدا منفردا، أو أطلع على خبر، إذا أنا ببستان فيه بقول حسنة، فنزلت و أكلت من ذلك البقل بالخبز و الشواء مع النقل، فأخذني إسهال عظيم قمت منه مرارا، فخفت أن أضعف من كثرة الاسهال، فركبت فرسي و الاسهال مستمر على حاله، و جعلت أخشى إن أنا نزلت عن فرسي أن أضعف عن الركوب، و أفرط بى الاسهال في السير حتى خشيت أن أسقط من الضعف، فأخذت بعنان الفرس و نمت على وجهي لا أدرى أين يسير الفرس بى، فلم أشعر إلا بقرع نعاله على بلاط، فأرفع رأسي فإذا دير، و إذا قد خرج منه نسوة صحبة امرأة حسناء جميلة جدا، فجعلت تقول بلسانها: أنزلنه، فأنزلننى فغسلن عنى ثيابي و سرجي و فرسي، و وضعننى على سرير و عملن لي طعاما و شرابا، فمكثت يوما و ليلة مستويا، ثم أقمت بقية ثلاثة أيام حتى ترد إلى حالي، فبينا أنا كذلك إذ أقبل البطريق و هو يريد أن يتزوجها، فأمرت بفرسي فحول و علق على الباب الّذي أنا فيه، و إذا هو بطريق كبير فيهم، و هو إنما جاء لخطبتها، فأخبره من كان هنالك بأن هذا البيت فيه رجل و له فرس، فهم بالهجوم على فمنعته المرأة من ذلك، و أرسلت تقول له: إن فتح عليه الباب لم أقض حاجته، فثناه ذلك عن الهجوم على، و أقام البطريق إلى آخر النهار في ضيافتهم، ثم ركب فرسه و ركب معه أصحابه و انطلق. قال البطال: فنهضت في أثرهم فهمت أن تمنعني خوفا على منهم فلم أقبل، و سقت حتى لحقتهم، فحملت عليه فانفرج عنه أصحابه، و أراد الفرار فألحقه فأضرب عنقه و استلبته و أخذت رأسه مسمطا على فرسي، و رجعت إلى الدير، فخرجن إلى و وقفن بين يدي، فقلت: اركبن، فركبن ما هنالك من الدواب و سقت بهن حتى أتيت أمير الجيش فدفعتهن إليه، فنفلنى ما شئت منهن، فأخذت تلك المرأة الحسناء بعينها، فهي أم أولادي. و البطريق في لغة الروم عبارة عن الأمير الكبير فيهم، و كان أبوها بطريقا كبيرا فيهم- يعنى تلك المرأة- و كان البطال بعد ذلك يكاتب أباها و يهاديه.
و ذكر أن عبد الملك بن مروان لما ولاه المصيصة بعث البطال سرية إلى أرض الروم، فغاب عنه خبرها فلم يدر ما صنعوا، فركب بنفسه وحده على فرس له و سار حتى وصل عمّورية، فطرق بابها ليلا