البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٧ - ثم دخلت سنة إحدى و عشرين و مائة
رهنا على ذلك. و فيها في صفر قتل زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، الّذي تنسب إليه الطائفة الزيدية، في قول الواقدي، و قال هشام الكلبي: إنما قتل في صفر من سنة ثنتين و عشرين فاللَّه أعلم. و قد ساق محمد بن جرير سبب مقتله في هذه السنة تبعا للواقدي، و هو أن زيدا هذا وفد على يوسف بن عمر فسأله هل أودع خالد القسري عندك مالا؟ فقال له زيد بن على: كيف يودعنى مالا و هو يشتم آبائي على منبره في كل جمعة؟ فأحلفه أنه ما أودع عنده شيئا، فأمر يوسف بن عمر بإحضار خالد من السجن فجيء به في عباءة، فقال: أنت أودعت هذا شيئا نستخلصه منه؟
قال: لا، و كيف و أنا أشتم أباه كل جمعة؟ فتركه عمر و أعلم أمير المؤمنين بذلك فعفا عن ذلك، و يقال بل استحضرهم فحلفوا بما حلفوا. ثم إن طائفة من الشيعة التفت على زيد بن على، و كانوا نحوا من أربعين ألفا، فنهاه بعض النصحاء عن الخروج، و هو محمد بن عمر بن على بن أبى طالب، و قال له:
إن جدك خير منك، و قد التفت على بيعته من أهل العراق ثمانون ألفا، ثم خانوه أحوج ما كان إليهم، و إني أحذرك من أهل العراق. فلم يقبل بل استمر يبايع الناس في الباطن في الكوفة، على كتاب اللَّه و سنة رسوله حتى استفحل أمره بها في الباطن، و هو يتحول من منزل إلى منزل، و ما زال كذلك حتى دخلت سنة ثنتين و عشرين و مائة، فكان فيها مقتله كما سنذكره قريبا. و فيها غزا نصر بن سيار أمير خراسان غزوات متعددة في الترك، و أسر ملكهم كور صول في بعض تلك الحروب و هو لا يعرفه، فلما تيقنه و تحققه، سأل منه كورصول أن يطلقه على أن يرسل له ألف بعير من إبل الترك- و هي البخاتي- و ألف برذون، و هو مع ذلك شيخ كبير جدا، فشاور نصر من بحضرته من الأمراء في ذلك، فمنهم من أشار بإطلاقه، و منهم من أشار بقتله. ثم سأله نصر بن سيار كم غزوت من غزوة؟ فقال: ثنتين و سبعين غزوة، فقال له نصر: ما مثلك يطلق، و قد شهدت هذا كله، ثم أمر به فضربت عنقه و صلبه، فلما بلغ ذلك جيشه من قتله باتوا تلك الليلة يجعرون و يبكون عليه، و جذوا لحاهم و شعورهم و قطعوا آذانهم و حرقوا خياما كثيرة، و قتلوا أنعاما كثيرة، فلما أصبح أمر نصر بإحراقه لئلا يأخذوا جثته، فكان حريقه أشد عليهم من قتله، و انصرفوا خائبين صاغرين خاسرين، ثم كر نصر على بلادهم فقتل منهم خلقا و أسر أمما لا يحصون كثرة، و كان فيمن حضر بين يديه عجوز كبيرة جدا من الأعاجم أو الأتراك، و هي من بيت مملكة، فقالت لنصر بن سيار: كل ملك لا يكون عنده ستة أشياء فهو ليس بملك، وزير صادق يفصل خصومات الناس و يشاوره و يناصحه، و طباخ يصنع له ما يشتهيه، و زوجة حسناء إذا دخل عليها مغتما فنظر إليها سرته و ذهب غمه، و حصن منيع إذا فزع رعاياه لجئوا إليه فيه، و سيف إذا قارع به الأقران لم يخش خيانته، و ذخيرة إذا حملها فأين ما وقع من الأرض عاش بها.