البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٤ - فصل
في الطاعون- يعنى في هذه السنة- و عمره ست أو سبع و خمسون سنة.
[قال قتادة: من وثق باللَّه كان اللَّه معه، و من يكن اللَّه معه تكن معه الفئة التي لا تغلب، و الحارس الّذي لا ينام، و الهادي الّذي لا يضل، و العالم الّذي لا ينسى. و قال. في الجنة كوة إلى النار فيقولون: ما بال الأشقياء دخلوا النار، و إنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم، فقالوا: إنا كنا نأمركم و لا نأتمر، و ننهاكم و لا ننتهي. و قال: باب من العلم يحفظه الرجل يطلب به صلاح نفسه و صلاح دينه و صلاح الناس، أفضل من عبادة حول كامل. و قال قتادة: لو كان يكتفى من العلم بشيء لا كتفي موسى (عليه السلام) بما عنده، و لكنه طلب الزيادة] [١] و فيها توفى: أبو الحباب سعيد بن يسار و الأعرج، و ابن أبى مليكة، و عبد اللَّه بن أبى زكريا الخزاعي، و ميمون بن مهران بن موسى بن وردان
[فصل
فأما سعيد بن يسار فكان من العباد الزهاد، روى عن جماعة من الصحابة، و كذلك الأعرج و ابن أبى مليكة. و أما ميمون بن مهران فهو من أجلاء علماء التابعين و زهادهم و عبادهم و أئمتهم. كان ميمون إمام أهل الجزيرة. روى الطبراني عنه أنه قيل له: مالك لا يفارقك أخ لك عن قلى؟ قال:
لأني لا أماريه و لا أشاريه. قال عمر بن ميمون: ما كان أبى يكثر الصلاة و لا الصيام، و لكن كان يكره أن يعصى اللَّه عز و جل. و روى ابن أبى عدي عن يونس عنه قال: لا تمارين عالما و لا جاهلا، فإنك إن ماريت عالما خزن عنك علمه، و إن ماريت جاهلا خشن بصدرك. و قال عمر بن ميمون:
خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررنا بجدول فلم يستطع الشيخ أن يتخطاه، فاضطجعت له فمر على ظهري، ثم قمت فأخذت بيده. ثم دفعنا إلى منزل الحسن فطرقت الباب فخرجت إلينا جارية سداسية، فقالت: من هذا؟ فقلت: هذا ميمون بن مهران أراد لقاء الحسن، فقالت: كاتب عمر بن عبد العزيز؟ قلت لها: نعم! قالت: يا شقي ما بقاؤك إلى هذا الزمان السوء؟:
قال: فبكى الشيخ فسمع الحسن بكاءه فخرج إليه فاعتنقا ثم دخلا، فقال ميمون: يا أبا سعيد! إني قد أنست من قلبي غلظة فاستكن لي منه، فقرأ الحسن: أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ. ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ فسقط الشيخ مغشيا عليه، فرأيته يفحص برجليه كما تفحص الشاة إذا ذبحت، فأقام طويلا ثم جاءت الجارية فقالت: قد أتعبتم الشيخ، قوموا تفرقوا، فأخذت بيد أبى فخرجت فقلت: يا أبت أ هذا هو الحسن؟ قال: نعم. قلت: قد كنت أحسب في
[١] زيادة من المصرية.