البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٦ - فصل
ثم دخلت سنة أربع عشرة و مائة
فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى و على اليمنى سليمان بن هشام بن عبد الملك، و هما ابنا أمير المؤمنين هشام: و فيها التقى عبد اللَّه البطال و ملك الروم المسمى فيهم قسطنطين، و هو ابن هرقل الأول الّذي كتب إليه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فأسره البطال، فأرسله إلى سليمان بن هشام، فسار به إلى أبيه. و فيها عزل هشام عن إمرة مكة و المدينة و الطائف إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، و ولى عليها أخاه محمد بن هشام فحج بالناس في هذه السنة في قول، و قال الواقدي و أبو معشر: إنما حج بالناس خالد بن عبد الملك بن مروان و اللَّه أعلم.
و ممن توفى فيها من الأعيان:
عطاء بن أبى رباح
الفهري مولاهم أبو محمد المكيّ، أحد كبار التابعين الثقات الرفعاء، يقال إنه أدرك مائتي صحابى و قال ابن سعد: سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أعور أفطس أشل أعرج، ثم عمى بعد ذلك، و كان ثقة فقيها عالما كثير الحديث، و قال أبو جعفر الباقر و غير واحد: ما بقي أحد في زمانه أعلم بالمناسك منه، و زاد بعضهم، و كان قد حج سبعين حجة، و عمر مائة سنة، و كان في آخر عمره يفطر في رمضان من الكبر و الضعف و يفدى عن إفطاره، و يتأول الآية وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ و كان ينادى منادى بنى أمية في أيام منى: لا يفتى الناس في الحج إلا عطاء بن أبى رباح، و قال أبو جعفر الباقر: ما رأيت فيمن لقيت أفقه منه، و قال الأوزاعي:
مات عطاء يوم مات و هو أرضى أهل الأرض عندهم. و قال ابن جريج: كان في المسجد فراش عطاء عشرين سنة، و كان من أحسن الناس به صلاة. و قال قتادة: كان سعيد بن المسيب و الحسن و إبراهيم و عطاء هؤلاء أئمة الأمصار. و قال عطاء إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأنى لم أكن سمعته، و قد سمعته قبل أن يولد، فأريه أنى إنما سمعته الآن منه. و في رواية: أنا أحفظ منه له فأريه أتى لم أسمعه. الجمهور على أنه مات في هذه السنة (رحمه اللَّه تعالى) و اللَّه أعلم.
[فصل
أسند أبو محمد عطاء بن أبى رباح- و اسم أبى رباح أسلم- عن عدد كثير من الصحابة، منهم ابن عمرو ابن عمرو، و عبد اللَّه بن الزبير، و أبو هريرة، و زيد بن خالد الجهنيّ، و أبو سعيد. و سمع من ابن عباس التفسير و غيره. و روى عنه من التابعين عدة، منهم الزهري، و عمرو بن دينار، و أبو الزبير، و قتادة، و يحيى بن كثير، و مالك بن دينار، و حبيب بن أبى ثابت، و الأعمش، و أيوب السختياني، و غيرهم من الأئمة و الأعلام كثير. قال أبو هزان: سمعت عطاء بن أبى رباح يقول: