البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٥ - فصل
و لا رجل تسعى، و لا لسان ينطق. فساق اللَّه عز و جل إليه رزقه هناك على أتم الوجوه و أهناها و أمراها، ثم إن اللَّه عز و جل أراد أن يحوله من تلك المنزلة إلى غيرها. و يحدث له في الزمن الثاني رزقا من أمه يكفيه و يغنيه، من غير حول منه و لا قوة، و لا بطش و لا سعى، بل تفضلا من اللَّه و جودا، و رزقا أجراه و ساقه إليه، ثم أراد اللَّه سبحانه أن ينقله من الزمن الثاني إلى الزمن الثالث من ذلك اللبن إلى رزق يحدثه له من كسب أبويه، بأن يجعل له الرحمة في قلوبهما حتى يؤثراه على نفسهما بكسبهما، و يغنياه و يغذياه بأطيب ما يقدران عليه من الأغذية، و هو لا يعينهما على شيء من ذلك بكسب و لا حيلة، حتى إذا عقل حدث نفسه بأنه إنما يرزق بحيلته و مكسبه و سعيه، ثم يدخل عليه في الزمن الرابع إساءة الظن بربه عز و جل، فيضيع أوامر اللَّه في طلب المعاش و زيادة المال و كثرته، و ينظر إلى أبناء الجنس و ما عليه من التنافس في طلب الدنيا، فيكسب بذلك ضعف اليقين و الايمان، و يمتلئ قلبه فقرا و خوفا منه مع المتاع، و يبتلى بموت القلب و عدم العقل، و لو نظر ابن آدم نظر معرفة و عقل لعلم أنه لن يغنيه في الزمن الرابع إلا من أغناه و رزقه في الأزمان الثلاثة قبل، فلا مقال له و لا معذرة مما سلط عليه في الزمان الرابع إلا برحمة اللَّه، فان ابن آدم كثير الشك يقصر به حكمه و علمه عن علم اللَّه و التفكر في أمره، و لو تفكر حتى يفهم، و تفهم حتى يعلم، علم أن علامة اللَّه التي بها يعرف، خلقه الّذي خلق، ثم رزقه لما خلق، و قدره لما قدر.
و قال عطاء الخراساني: لقيت وهبا في الطريق فقلت: حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا و أوجز. فقال: أوحى اللَّه عز و جل إلى داود (عليه السلام): يا داود، أما و عزتي و عظمتي لا ينتصر بى عبد من عبادي دون خلقي أعلم ذلك من نيته، فتكيده السموات السبع و من فيهن، و الأرضون السبع و من فيهن، إلا جعلت له منهن فرجا و مخرجا، أما و عزتي و جلالي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعلم ذلك من نيته، إلا قطعت أسباب السموات من يده، و أسخت الأرض من تحته و لا أبالى في أي واد هلك.
و قال أبو بلال الأشعري عن أبى هشام الصنعاني قال: حدثني عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول: وجدت في بعض الكتب أن اللَّه تعالى يقول: كفاني للعبد مآلا، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيته قبل أن يسألنى، و أستجيب له من قبل أن يدعوني، فانى أعلم بحاجته التي ترفق به من نفسه. و قال: قرأت في بعض الكتب أن الشيطان لم يكابد شيئا أشد عليه من مؤمن عاقل لأنه إذا كان مؤمنا عاقلا ذا بصيرة فهو أثقل على الشيطان من الجبال الصم، إنه ليزالل المؤمن العاقل فلا يستطيعه، فيتحول عنه إلى الجاهل فيستأمره و يتمكن من قياده. و قال: قام موسى (عليه السلام) فلما رأته بنو إسرائيل قاموا، فقال: على مكانكم، ثم ذهب إلى الطور فإذا هو بنهر أبيض