البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٨ - محمد بن كعب القرظي
و قال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب قال: إذا أراد اللَّه بعبد خيرا جعل فيه ثلاث خصال، فقها في الدين، و زهادة في الدنيا، و بصرا بعيوب نفسه. و قال:
الدنيا دار قلق، رغب عنها السعداء، و انتزعت من أيدي الأشقياء، فأشقى الناس بها أرغب الناس فيها، و أزهد الناس فيها أسعد الناس بها، هي الغاوية لمن أضاعها، المهلكة لمن اتبعها، الخائنة لمن انقاد لها، علمها جهل، و غناؤها فقر، و زيادتها نقصان، و أيامها دول. و روى ابن المبارك عن داود بن قيس قال سمعت محمد بن كعب يقول: إن الأرض لتبكى من رجل و تبكى على رجل، تبكى على من كان يعمل على ظهرها بطاعة اللَّه، و تبكى ممن كان يعمل على ظهرها بمعصية اللَّه، قد أثقلها. ثم قرأ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ و قال في قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ: من يعمل مثقال ذرة خيرا من كافر يرى ثوابها في نفسه و أهله و ماله حتى يخرج من الدنيا و ليس له خير. و من يعمل مثقال ذرة شرا يره، من مؤمن يرى عقوبتها في نفسه و أهله و ماله حتى يخرج من الدنيا و ليس له شر. و قال: ما يؤمنني أن يكون اللَّه قد اطلع عليّ في بعض ما يكره فمقتنى، و قال: اذهب لا أغفر لك، مع أن عجائب القرآن تردني على أمور حتى أنه لينقضي الليل و لم أفرغ من حاجتي.
و كتب عمر بن عبد العزيز إلى محمد بن كعب يسأله أن يبيعه غلامه سالما- و كان عابدا خيرا زاهدا- فكتب إليه:- إني قد دبرته، قال: فازدد فيه، فأتاه سالم فقال له عمر: إني قد ابتليت بما ترى، و أنا و اللَّه أتخوف أن لا أنجو، فقال له سالم: إن كنت كما تقول فهذا نجاته، و إلا فهو الأمر الّذي يخاف. قال: يا سالم عظني، قال: آدم (عليه السلام) أخطأ خطيئة واحدة خرج بها من الجنة، و أنتم مع عمل الخطايا ترجون دخول الجنة، ثم سكت. قلت: و الأمر كما قيل في بعض كتب اللَّه:
تزرعون السيئات و ترجون الحسنات، لا يجتنى من الشوك العنب.
تصل الذنوب إلى الذنوب و ترتجى* * * درج الجنان و طيب عيش العابد
و نسيت أن اللَّه أخرج آدما* * * منها إلى الدنيا بذنب واحد
و قال: من قرأ القرآن متع بعقله و إن بلغ من العمر مائتي سنة. و قال له رجل: ما تقول في التوبة؟
قال: لا أحسنها، قال: أ فرأيت إن أعطيت اللَّه عهدا أن لا تعصيه أبدا؟ قال: فمن أعظم جرما منك، تتألى على اللَّه أن لا ينفذ فيك أمره.
و قال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني: حدثنا ابن عبد العزيز حدثنا أبو عبيد القاسم ابن سلام حدثنا عباد بن عباد عن هشام بن زياد أبى المقدام. قالوا كلهم: حدثنا محمد بن كعب القرظي قال: حدثنا ابن عباس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «من أحب أن يكون أغنى الناس فليكن