البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٨ - و طاوس بن كيسان اليماني
إليه سليمان فأتاه فقال: لو ما حدثتنا؟
فقال: حدثني أبو موسى قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «إن أهون الخلق على اللَّه عز و جل من ولى من أمور المسلمين شيئا فلم يعدل فيهم».
فتغير وجه سليمان فأطرق طويلا ثم رفع رأسه إليه فقال: لو ما حدثتنا؟
فقال: حدثني رجل من أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- قال ابن شهاب: ظننت أنه أراد عليا- قال: دعاني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى طعام في مجلس من مجالس قريش، ثم قال: «إن لكم على قريش حقا، و لهم على الناس حق، ما إذا استرحموا رحموا، و إذا حكموا عدلوا، و إذا ائتمنوا أدوا، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللَّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل اللَّه منه صرفا و لا عدلا».
قال: فتغير وجه سليمان و أطرق طويلا ثم رفع رأسه إليه و قال: لو ما حدثتنا؟ فقال: حدثني ابن عباس أن آخر آية نزلت من كتاب اللَّه: وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ.
و قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: حدثني أبو معمر عن ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة قال قال عمر بن عبد العزيز لطاوس: ارفع حاجتك إلى أمير المؤمنين- يعنى سليمان- فقال طاوس ما لي إليه من حاجة، فكأنه عجب من ذلك، قال: سفيان و حلف لنا إبراهيم و هو مستقبل الكعبة:
و رب هذا البيت ما رأيت أحدا الشريف و الوضيع عنده بمنزلة واحدة إلا طاوس. قال: و جاء ابن لسليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاوس فلم يلتفت إليه، فقيل له: جلس إليك أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه؟ قال: أردت أن يعلم هو و أبوه أن للَّه عبادا يزهدون فيهم و فيما في أيديهم. و قد روى عبد اللَّه بن أحمد عن ابن طاوس قال: خرجنا حجاجا فنزلنا في بعض القرى، و كنت أخاف أبى من الحكام لشدته و غلظه عليهم، قال: و كان في تلك القرية عامل لمحمد بن يوسف- أخى الحجاج بن يوسف- يقال له أيوب بن يحيى، و قيل يقال له ابن نجيح، و كان من أخبث عمالهم كبرا و تجبرا، قال: فشهدنا صلاة الصبح في المسجد، فإذا ابن نجيح قد أخبر بطاوس فجاء فقعد بين يدي طاوس، فسلم عليه فلم يجبه، ثم كلمه فأعرض عنه، ثم عدل إلى الشق الآخر فأعرض عنه، فلما رأيت ما به قمت إليه و أخذت بيده ثم قلت له: إن أبا عبد الرحمن لم يعرفك، فقال طاوس: بلى! إني به لعارف، فقال الأمير: إنه بى لعارف، و معرفته بى فعلت بى ما رأيت.
ثم مضى و هو ساكت لا يقول شيئا، فلما دخلت المنزل قال لي أبى: يا لكع، بينما أنت تقول أريد أخرج عليهم بالسيف لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك.
و قال أبو عبد اللَّه الشامي: أتيت طاوسا فاستأذنت عليه فخرج إلى ابنه شيخ كبير، فقلت:
أنت طاوس؟ فقال: لا! أنا ابنه، فقلت: إن كنت أنت ابنه فان الشيخ قد خرف، فقال:
إن العالم لا يخرف، فدخلت عليه فقال طاوس: سل فأوجز، فقلت: إن أوجزت أوجزت لك،