البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٣ - أبان بن عثمان بن عفان
فبينما هو معها في ذلك القصر على أسرّ حال و أنعم بال، و بين يديهما عنب يأكلان منه، إذ رماها بحبة عنب و هي تضحك فشرقت بها فماتت، فمكث أياما يقبلها و يرشفها و هي ميتة حتى أنتنت و جيفت فأمر بدفنها، فلما دفنها أقام أياما عندها على قبرها هائما، ثم رجع إلى المنزل ثم عاد إلى قبرها فوقف عليه و هو يقول:
فان تسل عنك النفس أو تدع الصبا* * * فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد
و كل خليل زارني فهو قائل* * * من أجلك هذا هامة اليوم أو غد
ثم رجع فما خرج من منزله حتى خرج بنعشه و كان مرضه بالسل. و ذلك بالسواد سواد الأردن يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان من هذه السنة- أعنى سنة خمس و مائة- و كانت خلافته أربع سنين و شهرا على المشهور، و قيل أقل من ذلك، و كان عمره ثلاثا و ثلاثين سنة، و قيل خمسا و قيل ستا و قيل ثمانيا و قيل تسعا و ثلاثين. و قيل إنه بلغ الأربعين فاللَّه أعلم.
و كان طويلا جسيما أبيض مدور الوجه أفقم الفم لم يشب، و قيل إنه مات بالجولان، و قيل بحوران و صلى عليه ابنه الوليد بن يزيد، و عمره خمس عشرة سنة، و قيل بل صلى عليه أخوه هشام بن عبد الملك، و هو الخليفة بعده، و حمل على أعناق الرجال حتى دفن بين باب الجابية و باب الصغير بدمشق، و كان قد عهد بالأمر من بعده لأخيه هشام، و من بعده لولده الوليد بن يزيد، فبايع الناس من بعده هشاما
خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان
بويع له بالخلافة يوم الجمعة بعد موت أخيه لخمس بقين من شعبان من هذه السنة- أعنى سنة خمس و مائة- و له من العمر أربع و ثلاثون سنة و أشهر، لأنه ولد لما قتل أبوه عبد الملك مصعب بن الزبير في سنة ثنتين و سبعين، فسماه منصورا تفاؤلا، ثم قدم فوجد أمه قد أسمته باسم أبيها هشام، فأقره. قال الواقدي: أتته الخلافة و هو بالديثونة في منزل له، فجاءه البريد بالعصا و الخاتم، فسلم عليه بالخلافة فركب من الرصافة حتى أتى دمشق، فقام بأمر الخلافة أتم القيام، فعزل في شوال منها عن إمرة العراق و خراسان عمر بن هبيرة، و ولى عليها خالد بن عبد اللَّه القسري، و قيل إنه استعمله على العراق في سنة ست و مائة، و المشهور الأول. و حج بالناس فيها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال أمير المؤمنين، أخو أمه عائشة بنت هشام بن إسماعيل، و لم تلد من عبد الملك سواه حتى طلقها، لأنها كانت حمقاء. و فيها قوى أمر دعوة بنى العباس في السر بأرض العراق، و حصل لدعاتهم أموال جزيلة يستعينون بها على أمرهم، و ما هم بصدده.
و فيها توفى من الأعيان:
أبان بن عثمان بن عفان
تقدم ذكر وفاته سنة خمس و ثمانين، كان من فقهاء التابعين و علمائهم، قال عمرو بن شعيب