البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٢ - ثم دخلت سنة خمس و مائة
المسلم، و أخذ بذلك الخلفاء من بعده، فلما قام عمر بن عبد العزيز راجع السنة الأولى، و تبعه في ذلك يزيد بن عبد الملك، فلما قام هشام أخذ بسنة الخلفاء- يعنى أنه ورث المسلم من الكافر- و قال الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: بينما نحن عند مكحول إذ أقبل يزيد بن عبد الملك فهممنا أن توسع له، فقال مكحول: دعوه يجلس حيث انتهى به المجلس، يتعلم التواضع.
و قد كان يزيد هذا يكثر من مجالسة العلماء قبل أن يلي الخلافة، فلما ولى عزم على أن يتأسى بعمر بن عبد العزيز، فما تركه قرناء السوء، و حسنوا له الظلم، قال حرملة عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: لما ولى يزيد بن عبد الملك قال سيروا بسيرة عمر، فمكث كذلك أربعين ليلة، فأتى بأربعين شيخا فشهدوا له أنه ما على الخلفاء من حساب و لا عذاب، و قد اتهمه بعضهم في الدين، و ليس بصحيح، إنما ذاك ولده الوليد بن يزيد كما سيأتي، أما هذا فما كان به بأس، و قد كتب إليه عمر بن عبد العزيز: أما بعد فأتى لا أرانى إلا ملمّا بى، و ما أرى الأمر الا سيفضى إليك، فاللَّه اللَّه في أمة محمد، فإنك عما قليل ميت فتدع الدنيا إلى من لا يعذرك، و السلام. و كتب يزيد بن عبد الملك إلى أخيه هشام: أما بعد فان أمير المؤمنين قد بلغه أنك استبطأت حياته و تمنيت وفاته و رمت الخلافة، و كتب في آخره.
تمنى رجال أن أموت و إن أمت* * * فتلك سبيل لست فيها بأوحد
و قد علموا لو ينفع العلم عندهم* * * متى مت ما الباغي على بمخلد
منيته تجرى لوقت و حتفه* * * يصادفه يوما على غير موعد
فقل للذي يبقى خلاف الّذي مضى* * * تهيأ لأخرى مثلها و كأن قد
فكتب إليه هشام: جعل اللَّه يومى قبل يومك، و ولدى قبل ولدك، فلا خير في العيش بعدك و قد كان يزيد هذا يحب حظية من حظاياه يقال لها حبابة- بتشديد الباء الاولى- و الصحيح تخفيفها- و اسمها العالية، و كانت جميلة جدا، و كان قد اشتراها في زمن أخيه بأربعة آلاف دينار، من عثمان بن سهل بن حنيف، فقال له أخوه سليمان: لقد هممت أحجر على يديك، فباعها، فلما أفضت إليه الخلافة قالت له امرأته سعدة يوما: يا أمير المؤمنين، هل بقي في نفسك من أمر الدنيا شيء؟ قال:
نعم، حبابة، فبعثت امرأته فاشترتها له و لبستها و صنعتها و أجلستها من وراء الستارة، و قالت له أيضا:
يا أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من أمر الدنيا شيء؟ قال: أو ما أخبرتك؟ فقالت: هذه حبابة- و أبرزتها له و أخلته بها و تركته و إياها- فحظيت الجارية عنده، و كذلك زوجته أيضا، فقال يوما أشتهى أن أخلو بحبابة في قصر مدة من الدهر، لا يكون عندنا أحد، ففعل ذلك، و جمع إليه في قصره ذلك حبابة، و ليس عنده فيه أحد، و قد فرش له بأنواع الفرش و البسط الهائلة، و النعمة الكثيرة السابغة،