البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٤ - و هذه ترجمة عمر بن عبد العزيز الأموي الامام المعروف المشهور (رحمه اللَّه) و أكرم مثواه
هذا الجواب. قالوا: و لما مات عمه عبد الملك حزن عليه و لبس المسوح تحت ثيابه سبعين يوما، و لما ولى الوليد عامله بما كان أبوه يعامله به، و ولاه المدينة و مكة و الطائف من سنة ست و ثمانين إلى سنة ثلاث و تسعين، و أقام للناس الحج سنة تسع و ثمانين، و سنة تسعين، و حج الوليد بالناس سنة إحدى و تسعين، ثم حج بالناس عمر سنة ثنتين أو ثلاث و تسعين.
و بنى في مدة ولايته هذه مسجد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و وسعه عن أمر الوليد له بذلك، فدخل فيه قبر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة، و أعدلهم سيرة، كان إذا وقع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينة عليه، و قد عين عشرة منهم، و كان لا يقطع أمرا بدونهم أو من حضر منهم، و هم عروة، و عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، و أبو بكر بن سليمان بن خيثمة، و سليمان بن يسار، و القاسم بن محمد بن حزم، و سالم بن عبد اللَّه، و عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، و خارجة بن زيد بن ثابت. و كان لا يخرج عن قول سعيد بن المسيب، و قد كان سعيد بن المسيب لا يأتى أحدا من الخلفاء، و كان يأتى إلى عمر بن عبد العزيز و هو بالمدينة، و قال إبراهيم بن عبلة: قدمت المدينة و بها ابن المسيب و غيره، و قد ندبهم عمر يوما إلى رأى و قال ابن وهب: حدثني الليث حدثني قادم البربري أنه ذاكر ربيعة بن أبى عبد الرحمن يوما شيئا من قضايا عمر بن عبد العزيز إذ كان بالمدينة، فقال له الربيع: كأنك تقول: أخطأ، و الّذي نفسي بيده ما أخطأ قط. و ثبت من غير وجه عن أنس بن مالك. قال: ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من هذا الفتى- يعنى عمر بن عبد العزيز- حين كان على المدينة. قالوا:
و كان يتم الركوع و السجود و يخفف القيام و القعود، و في رواية صحيحة أنه كان يسبح في الركوع و السجود عشرا عشرا، و قال ابن وهب: حدثني الليث عن أبى النضر المديني، قال: رأيت سليمان ابن يسار [١] خارجا من عند عمر بن عبد العزيز فقلت له: من عند عمر خرجت؟ قال: نعم! قلت:
تعلّمونه؟ قال: نعم، فقلت: هو و اللَّه أعلمكم. و قال مجاهد: أتينا عمر نعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه.
و قال ميمون بن مهران: كانت العلماء عند عمر بن عبد العزيز تلامذة، و في رواية قال ميمون: كان عمر بن عبد العزيز معلم العلماء. و قال الليث: حدثني رجل كان قد صحب ابن عمرو ابن عباس، و كان عمر بن عبد العزيز يستعمله على الجزيرة، قال: ما التمسنا علم شيء إلا وجدنا عمر بن عبد العزيز أعلم الناس بأصله و فرعه، و ما كان العلماء عند عمر بن عبد العزيز إلا تلامذة. و قال عبد اللَّه بن طاووس: رأيت أبى تواقف هو و عمر بن عبد العزيز من بعد صلاة العشاء حتى أصبحنا، فلما افترقا قلت: يا أبة من هذا الرجل؟ قال هذا عمر بن عبد العزيز، و هو من صالحي هذا البيت-
[١] نسخة: سيار.