البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٣ - ثم دخلت سنة تسع و تسعين
نتنازع هذا الأمر. ثم قام فخطب الناس خطبة بليغة و بايعوه، فكان مما قال في خطبته: أيها الناس، إني لست بمبتدع و لكنى متبع، و إن من حولكم من الأمصار و المدن إن أطاعوا كما أطعتم فأنا و إليكم، و إن هم أبوا فلست لكم بوال، ثم نزل، فأخذوا في جهاز سليمان، قال الأوزاعي: فلم يفرغوا منه حتى دخل وقت المغرب، فصلى عمر بالناس صلاة المغرب، ثم صلى على سليمان و دفن بعد المغرب، فلما انصرف عمر أتى بمراكب الخلافة [فأبى أن يركبها] و ركب دابته و انصرف مع الناس حتى أتوا دمشق، فمالوا به نحو دار الخلافة فقال: لا أنزل إلا في منزلي [١] حتى تفرغ دار أبى أيوب، فاستحسنوا ذلك منه، ثم استدعى بالكاتب فجعل يملى عليه نسخة الكتاب الّذي يبايع عليه الأمصار، قال رجاء: فما رأيت أفصح منه.
قال محمد بن إسحاق: و كانت وفاة سليمان بن عبد الملك بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليال خلت من صفر سنة تسع و تسعين، على رأس سنتين و تسعة أشهر و عشرين يوما من متوفى الوليد، و كذا قال الجمهور في تاريخ وفاته، و منهم من يقول: لعشر بقين من صفر، و قالوا: كانت ولايته سنتين و ثمانية أشهر، زاد بعضهم إلا خمسة أيام و اللَّه أعلم. و قول الحاكم أبى أحمد: إنه توفى يوم الجمعة لثلاث عشر بقين من رمضان سنة تسع و تسعين، حكاه ابن عساكر، و هو غريب جدا، و قد خالفه الجمهور في كل ما قاله، و عندهم أنه جاوز الأربعين فقيل بثلاث و قيل بخمس و اللَّه أعلم.
قالوا: و كان طويلا جميلا أبيض نحيفا، حسن الوجه، مقرون الحاجبين، و كان فصيحا بليغا، يحسن العربية و يرجع إلى دين و خير و محبة للحق و أهله، و اتباع القرآن و السنة، و إظهار الشرائع الإسلامية (رحمه اللَّه)، و قد كان (رحمه اللَّه) آلى على نفسه حين خرج من دمشق إلى مرج دابق- و دابق قريبة من بلاد حلب- لما جهز الجيوش إلى مدينة الروم العظمى المسماة بالقسطنطينية، أن لا يرجع إلى دمشق حتى تفتح أو يموت، فمات هنالك كما ذكرنا، فحصل له بهذه النية أجر الرباط في سبيل اللَّه، فهو إن شاء اللَّه ممن يجرى له ثوابه إلى يوم القيامة (رحمه اللَّه).
و قد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة شراحيل بن عبيدة بن قيس العقيلي ما مضمونه: إن مسلمة ابن عبد الملك لما ضيق بمحاصرته على أهل القسطنطينية، و تتبع المسالك و استحوذ على ما هنالك من الممالك، كتب إليون ملك الروم إلى ملك البرجان [٢] يستنصره على مسلمة، و يقول له: ليس لهم
[١] كان منزله في موضع مدرسة السميساطية الآن مما يلي باب مسجد بنى أمية الشمالي. أما قصر الخلافة الّذي يسمى (الدار الخضراء) فكان وراء الجدار القبلي من مسجد بنى أمية. و يسمى موضعه الآن (المصبغة الخضراء)
[٢] الأرجح أنهم أمة البلغار، و هم أقرب الأمم النصرانية إلى القسطنطينية.