البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٢ - ثم دخلت سنة تسع و تسعين
قال: فكيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعلمه و اللَّه خيرا فاضلا مسلما يحب الخير و أهله، و لكن أتخوف عليه إخوتك أن لا يرضوا بذلك، فقال: هو و اللَّه على ذلك و أشار رجال [١] أن يجعل يزيد بن عبد الملك ولى العهد من بعد عمر بن عبد العزيز ليرضى بذلك بنو مروان، فكتب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، هذا كتاب من عبد اللَّه سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز، إني قد وليته الخلافة من بعدي و من بعده يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له و أطيعوا، و اتقوا اللَّه و لا تختلفوا فيطمع فيكم عدوكم. و ختم الكتاب و أرسل إلى كعب بن حامد العبسيّ صاحب الشرطة، فقال له:
اجمع أهل بيتي فمرهم فليبايعوا على ما في هذا الكتاب مختوما، فمن أبى منهم ضرب عنقه. فاجتمعوا و دخل رجال منهم فسلموا على أمير المؤمنين، فقال لهم: هذا الكتاب عهدي إليكم، فاسمعوا له و أطيعوا و بايعوا من وليت فيه، فبايعوا لذلك رجلا رجلا، قال رجاء: فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: أنشدك اللَّه و حرمتي و مودتي إلا أعلمتنى إن كان كتب لي ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن يأتى حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة، فقلت: و اللَّه لا أخبرك حرفا واحدا. قال:
و لقيه هشام بن عبد الملك فقال: يا رجاء إن لي بك حرمة و مودة قديمة، فأخبرني هذا الأمر إن كان إليّ علمت، و إن كان لغيري فما مثلي قصّر به عن هذا. فقلت: و اللَّه لا أخبرك حرفا واحدا مما أسرّه إليّ أمير المؤمنين، قال رجاء: و دخلت على سليمان فإذا هو يموت، فجعلت إذا أخذته السكرة من سكرات الموت أحرفه إلى القبلة، فإذا أفاق يقول: لم يأن لذلك بعد يا رجاء، فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئا، أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، قال: فحرفته إلى القبلة فمات (رحمه اللَّه). قال: فغطيته بقطيفة خضراء و أغلقت الباب عليه و أرسلت إلى كعب بن حامد فجمع الناس في مسجد دابق، فقلت: بايعوا لمن في هذا الكتاب، فقالوا: قد بايعنا، فقلت: بايعوا ثانية، ففعلوا، ثم قلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، و قرأت الكتاب عليهم، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز تغيرت وجوه بنى مروان، فلما قرأت و إن هشام [٢] بن عبد الملك بعده، تراجعوا بعض الشيء. و نادى هشام لا نبايعه أبدا، فقلت: أضرب عنقك و اللَّه، قم فبايع، و نهض الناس إلى عمر بن عبد العزيز و هو في مؤخر المسجد، فلما تحقق ذلك قال: إنا للَّه و إنا إليه راجعون، و لم تحمله رجلاه حتى أخذوا بضبعيه فأصعدوه على المنبر، فسكت حينا، فقال: رجاء بن حيوة: ألا تقوموا إلى أمير المؤمنين فتبايعوه، فنهض القوم فبايعوه، ثم أتى هشام فصعد المنبر ليبايع و هو يقول: إنا للَّه و إنا إليه راجعون، فقال عمر: نعم! إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ الّذي صرت أنا و أنت
[١] في المصرية: و أشار سليمان بن رجاء. و لعله: و أشار رجاء
[٢] كذا بالأصول، و الّذي تقدم في كتاب العهد و ما قبله أنه يزيد بن عبد الملك.