البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨١ - ثم دخلت سنة تسع و تسعين
و اعتم بعمامة خضراء و جلس على فراش أخضر و قد بسط ما حوله بالخضرة، ثم نظر في المرآة فأعجب؟
حسنه، و شمر عن ذراعيه و قال: أنا الخليفة الشاب، و قيل إنه كان ينظر في المرآة من فرقه إلى قدمه و يقول: أنا الملك الشاب، و في رواية أنه كان ينظر فيها و يقول: كان محمد نبيا، و كان أبو بكر صديقا و كان عمر فاروقا، و كان عثمان حبيا، و كان على شجاعا، و كان معاوية حليما، و كان يزيد صبورا، و كان عبد الملك سائسا، و كان الوليد جبارا، و أنا الملك الشاب. قالوا: فما حال عليه بعد ذلك شهر، و في رواية جمعة، حتى مات. قالوا: و لما حم شرع يتوضأ فدعا بجارية فصبت عليه ماء الوضوء ثم أنشدته:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى* * * غير أن لا بقاء للإنسان
أنت خلو من العيوب و مما* * * يكره الناس غير أنك فان
قالوا: فصاح بها و قال: عزتنى في نفسي، ثم أمر خاله الوليد بن العباس القعقاع العنسيّ [١] أن يصب عليه و قال:
قرب وضوءك يا وليد فإنما* * * دنياك هذي بلغة و متاع
فاعمل لنفسك في حياتك صالحا* * * فالدهر فيه فرقة و جماع
و يروى أن الجارية لما جاءته بالطست جعلت تضطرب من الحمى، فقال: أين فلانة؟ فقالت:
محمومة، قال: فلانة؟ قالت: محمومة، و كان بمرج دابق من أرض قنسرين، فأمر خاله فوضأه ثم خرج يصلى بالناس فأخذته بحة في الخطبة، ثم نزل و قد أصابته الحمى فمات في الجمعة المقبلة، و يقال: إنه أصابه ذات الجنب فمات بها (رحمه اللَّه).
و كان قد أقسم أنه لا يبرح بمرج دابق حتى يرجع إليه الخبر بفتح القسطنطينية، أو يموت قبل ذلك، فمات قبل ذلك (رحمه اللَّه) و أكرم مثواه، قالوا: و جعل يلهج في مرضه و يقول:
إن بنىّ صغار* * * أفلح من كان له كبار
فيقول له عمر بن عبد العزيز: قد أفلح المؤمنون يا أمير المؤمنين، ثم يقول:
إن بنىّ صبية صيفيون* * * قد أفلح من كان له ربعيون
و يروى أن هذا آخر ما تكلم به، و الصحيح أن آخر ما تكلم به أن قال: أسألك منقلبا كريما، ثم قضى. و روى ابن جرير عن رجاء بن حيوة- و كان وزير صدق لبني أمية- قال: استشارني سليمان بن عبد الملك و هو مريض أن يولى له ابنا صغيرا لم يبلغ الحلم، فقلت: إن مما يحفظ الخليفة في قبره أن يولى على المسلمين الرجل الصالح، ثم شاورنى في ولاية ابنه داود، فقلت: إنه غائب عنك بالقسطنطينية و لا تدري أ حي هو أو ميت، فقال: من ترى؟ فقلت: رأيك يا أمير المؤمنين،
[١] في المصرية العبسيّ.