البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٩ - ثم دخلت سنة تسع و تسعين
في جماعة من أهل بيته، و ذلك كله عن مشورة موسى بن نصير، حين قدم عليه من بلاد المغرب، و الصحيح أنه قدم في أيام أخيه الوليد و اللَّه أعلم.
قال ابن أبى الدنيا: حدثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الكوفي عن جابر بن عون الأسدي. قال:
أول كلام تكلم به سليمان بن عبد الملك حين ولى الخلافة أن قال: الحمد للَّه الّذي ما شاء صنع و ما شاء رفع و ما شاء وضع، و من شاء أعطى و من شاء منع. إن الدنيا دار غرور، و منزل باطل، و زينة تقلب، تضحك باكيا و تبكى ضاحكا، و تخيف آمنا و تؤمن خائفا، تفقر مثريها، و تثرى فقيرها، ميالة لاعبة بأهلها. يا عباد اللَّه اتخذوا كتاب اللَّه إماما، و ارضوا به حكما، و اجعلوه لكم قائدا، فإنه ناسخ لما قبله، و لن ينسخه كتاب بعده. اعلموا عباد اللَّه أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان و ضغائنه كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس أدبار الليل إذا عسعس. و قال يحيى بن معين عن حجاج بن محمد عن أبى معشر عن محمد بن قيس قال: سمعت سليمان بن عبد الملك يقول في خطبته: فضل القرآن على سائر الكلام كفضل اللَّه على خلقه. و قال حماد بن زيد عن يزيد بن حازم. قال: كان سليمان بن عبد الملك يخطبنا كل جمعة لا يدع أن يقول في خطبته: و إنما أهل الدنيا على رحيل، لم تمض لهم نية و لم تطمئن بهم حتى يأتى أمر اللَّه و وعده و هم على ذلك، كذلك لا يدوم نعيمها، و لا تؤمن فجائعها و لا تبقى من شر أهلها ثم يتلو أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ، ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ و روى الأصمعي أن نقش خاتم سليمان [كان]: آمنت باللَّه مخلصا، و قال أبو مسهر عن أبى مسلم سلمة بن العيار الفزاري. قال: كان محمد بن سيرين يترحم على سليمان بن عبد الملك، و يقول:
افتتح خلافته بخير و ختمها بخير، افتتحها بإجابة الصلاة لمواقيتها، و ختمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز.
و قد أجمع علماء الناس و التواريخ أنه حج بالناس في سنة سبع و تسعين و هو خليفة، قال الهيثم ابن عدي قال الشعبي: حج سليمان بن عبد الملك فلما رأى الناس بالموسم قال لعمر بن عبد العزيز:
ألا ترى هذا الخلق الّذي لا يحصى عددها إلا اللَّه، و لا يسع رزقهم غيره، فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء رعيتك اليوم، و هم غدا خصماؤك عند اللَّه، فبكى سليمان بكاء شديدا ثم قال: باللَّه أستعين.
و قال ابن أبى الدنيا: ثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا جرير عن عطاء بن السائب. قال: كان عمر بن عبد العزيز في سفر مع سليمان بن عبد الملك فأصابهم السماء برعد و برق و ظلمة و ريح شديدة، حتى فزعوا لذلك، و جعل عمر بن عبد العزيز يضحك، فقال له سليمان: ما يضحكك يا عمر؟ أما ترى ما نحن فيه؟ فقال له: يا أمير المؤمنين هذه آثار رحمته فيها شدائد ما ترى، فكيف بآثار سخطه و غضبه؟
و من كلامه الحسن (رحمه اللَّه) قوله: الصمت منام العقل و النطق يقظته، و لا يتم هذا إلا بهذا. و دخل عليه رجل فكلمه فأعجبه منطقه ثم فتشه فلم يحمد عقله، فقال: فضل منطق الرجل على عقله خدعة،