البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٢ - موسى بن نصير أبو عبد الرحمن اللخمي (رحمه اللَّه)
افتتح بلاد الأندلس، و هي بلاد ذات مدن و قرى و ريف، فسبى منها و من غيرها خلقا كثيرا، و غنم أموالا كثيرة جزيلة، و من الذهب و الجواهر النفيسة شيئا لا يحصى و لا يعد، و أما الآلات و المتاع و الدواب فشيء لا يدرى ما هو، و سبى من الغلمان الحسان و النساء الحسان شيئا كثيرا، حتى قيل إنه لم يسلب أحد مثله من الأعداء، و أسلم أهل المغرب على يديه، و بث فيهم الدين و القرآن، و كان إذا سار إلى مكان تحمل الأموال معه على العجل لكثرتها و عجز الدواب عنها و قد كان موسى بن نصير هذا يفتح في بلاد المغرب، و قتيبة يفتح في بلاد المشرق، فجزاهما اللَّه خيرا، فكلاهما فتح من الأقاليم و البلدان شيئا كثيرا، و لكن موسى بن نصير حظي بأشياء لم يحظ بها قتيبة، حتى قيل إنه لما فتح الأندلس جاءه رجل فقال له: ابعث معى رجالا حتى أدلك على كنز عظيم، فبعث معه رجالا فأتى بهم إلى مكان فقال: احفروا، فحفروا فأفضى بهم الحفر إلى قاعة عظيمة ذات لواوين حسنة، فوجدوا هناك من اليواقيت و الجواهر و الزبرجد ما أبهتهم، و أما الذهب فشيء لا يعبر عنه، و وجدوا في ذلك الموضع الطنافس، الطنفسة منها منسوجة بقضبان الذهب، منظومة باللؤلؤ الغالي المفتخر، و الطنفسة منظومة بالجوهر المثمن، و اليواقيت التي ليس لها نظير في شكلها و حسنها و صفاتها، و لقد سمع يومئذ مناد ينادى لا يرون شخصه: أيها الناس، إنه قد فتح عليكم باب من أبواب جهنم فخذوا حذركم. و قيل إنهم وجدوا في هذا الكنز مائدة سليمان بن داود التي كان يأكل عليها. و قد جمع أخباره و ما جرى له في حر و به و غزواته رجل من ذريته يقال له أبو معاوية معارك بن مروان بن عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير النصيري.
و روى الحافظ ابن عساكر أن عمر بن عبد العزيز سأل موسى بن نصير حين قدم دمشق أيام الوليد عن أعجب شيء رأيت في البحر، فقال: انتهينا مرة إلى جزيرة فيها ست عشرة جرة مختومة بخاتم سليمان بن داود (عليهما السلام)، قال: فأمرت بأربعة منها فأخرجت، و أمرت بواحدة منها فنقبت فإذا قد خرج منها شيطان ينفض رأسه و يقول: و الّذي أكرمك بالنّبوّة لا أعود بعدها أفسد في الأرض، قال: ثم إن ذلك الشيطان نظر فقال: إني لا أرى بهاء سليمان و ملكه، فانساخ في الأرض فذهب، قال: فأمرت بالثلاث البواقي فرددن إلى مكانهن.
و قد ذكر السمعاني و غيره عنه أنه سار إلى مدينة النحاس التي بقرب البحر المحيط الأخضر، في أقصى بلاد المغرب، و أنهم لما أشرفوا عليها رأوا بريق شرفاتها و حيطانها من مسافة بعيدة، و أنهم لما أتوها نزلوا عندها، ثم أرسل رجلا من أصحابه و معه مائة فارس من الأبطال، و أمره أن يدور حول سورها لينظر هل لها باب أو منفذ إلى داخلها، فقيل: إنه سار يوما و ليلة حول سورها، ثم رجع إليه فأخبره أنه لم يجد بابا و لا منفذا إلى داخلها، فأمرهم فجمعوا ما معهم من المتاع بعضه على بعض، فلم