البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٣ - و هذه ترجمة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق و ذكر وفاته في هذا العام
و قد اختلف الناس: هل يدخل الجنة مفعول به؟ على قولين، و الصحيح في المسألة أن يقال إن المفعول به إذا تاب توبة صحيحة نصوحا، و رزق إنابة إلى اللَّه و صلاحا، و بدل سيئاته بحسنات، و غسل عنه ذلك بأنواع الطاعات، و غض بصره و حفظ فرجه، و أخلص معاملته لربه، فهذا إن شاء اللَّه مغفور له، و هو من أهل الجنة، فان اللَّه يغفر الذنوب للتائبين إليه وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَمَنْ تابَ ... وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. و أما مفعول به صار في كبره شرا منه في صغره، فهذا توبته متعذرة، و بعيد أن يؤهل لتوبة صحيحة، أو لعمل صالح يمحو به ما قد سلف، و يخشى عليه من سوء الخاتمة، كما قد وقع ذلك لخلق كثير ماتوا بأدرانهم و أوساخهم، لم يتطهروا منها قبل الخروج من الدنيا، و بعضهم ختم له بشر خاتمة، حتى أوقعه عشق الصور في الشرك الّذي لا يغفره اللَّه. و في هذا الباب حكايات كثيرة وقعت للوطية و غيرهم من أصحاب الشهوات يطول هذا الفصل بذكرها.
و المقصود أن الذنوب و المعاصي و الشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له، فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الايمان. فيقع في سوء الخاتمة. قال اللَّه تعالى وَ كانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا بل قد وقع سوء الخاتمة لخلق لم يفعلوا فاحشة اللواط، و قد كانوا متلبسين بذنوب أهون منها. و سوء الخاتمة أعاذنا اللَّه منها لا يقع فيها من صلح ظاهره و باطنه مع اللَّه، و صدق في أقواله، و أعماله، فان هذا لم يسمع به كما ذكره عبد الحق الإشبيلي، و إنما يقع سوء الخاتمة لمن فسد باطنه عقدا، و ظاهره عملا، و لمن له جرأة على الكبائر، و إقدام على الجرائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة.
و المقصود أن مفسدة اللواط من أعظم المفاسد، و كانت لا تعرف بين العرب قديما كما قد ذكر ذلك غير واحد منهم. فلهذا قال الوليد بن عبد الملك: لو لا أن اللَّه عز و جل قص علينا قصة قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا. و في حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل و المفعول به». رواه أهل السنن و صححه ابن حبان و غيره. و قد لعن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من عمل عمل قوم لوط ثلاث مرات، و لم يلعن على ذنب ثلاث مرات إلا عليه، و إنما أمر بقتل الفاعل و المفعول به لأنه لا خير في بقائهما بين الناس، لفساد طويتهما، و خبث بواطنهما، فمن كان بهذه المثابة فلا خير للخلق في بقائه، فإذا أراح اللَّه الخلق منهما صلح لهم أمر معاشهم و دينهم. و أما اللعنة فهي الطرد و البعد، و من كان مطرودا مبعدا عن اللَّه و عن رسوله و عن كتابه و عن صالح عباده فلا خير فيه و لا في قربه، و من رزقه اللَّه تعالى توسما و فراسة، و نورا و فرقانا عرف من سحن الناس و وجوههم أعمالهم، فان أعمال العمال بائنة و لائحة على وجوههم و في أعينهم و كلامهم.