البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤ - ثم دخلت سنة ست و سبعين
الطعام: أجده و أنضجه و عجل به، فلما استوى أكله ثم توضأ وضوءا تاما ثم صلى بأصحابه صلاة تامة بتطويل و طمأنينه، ثم لبس درعه و تقلد سيفين و أخذ عمود حديد ثم قال: أسرجوا لي البغلة، فركبها فقال له أخوه مصاد: اركب فرسا، فقال: لا! حارس كل أمر أجله، فركبها ثم فتح باب الدير الّذي هو فيه و هو يقول: أنا أبو المدله لا حكم إلا اللَّه، و تقدم إلى أمير الجيش الّذي يليه بالعمود الحديد فقتله، و هو سعيد بن المجالد، و حمل على الجيش الآخر الكثيف فصرع أميره و هرب الناس من بين يديه و لجئوا إلى الكوفة، و مضى شبيب إلى الكوفة من أسفل الفرات، و قتل جماعة هناك، و خرج الحجاج من الكوفة هاربا إلى البصرة، و استخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة، ثم اقترب شبيب من الكوفة يريد دخولها، فاعلم الدهاقين عروة بن المغيرة بذلك فكتب إلى الحجاج يعلمه بذلك فأسرع الحجاج الخروج من البصرة و قصد الكوفة فأسرع السير، و بادره شبيب إلى الكوفة فسبقه الحجاج إليها فدخلها العصر، و وصل شبيب إلى المربد عند الغروب، فلما كان آخر الليل دخل شبيب الكوفة و قصد قصر الامارة فضرب بابه بعموده الحديد فأثرت ضربته في الباب، فكانت تعرف بعد ذلك، يقال هذه ضربة شبيب، و سلك في طرق المدينة و تقصد محال القتال، و قتل رجالا من رؤساء أهل الكوفة و أشرافهم، منهم أبو سليم والد ليث بن أبى سليم، و عدي بن عمرو، و أزهر بن عبد اللَّه العامري، في طائفة كثيرة من أهل الكوفة، و كان مع شبيب امرأته غزالة، و كانت معروفة بالشجاعة، فدخلت مسجد الكوفة و جلست على منبره و جعلت تذم بنى مروان.
و نادى الحجاج في الناس يا خيل اللَّه اركبي، فخرج شبيب من الكوفة إلى مجال الطعن و الضرب، فجهز الحجاج في أثره ستة آلاف مقاتل، فساروا وراءه و هو بين أيديهم ينعس و يهز رأسه، و في أوقات كثيرة يكر عليهم فيقتل منهم جماعة، حتى قتل من جيش الحجاج خلقا كثيرا، و قتل جماعة من الأمراء منهم زائدة بن قدامة، قتله شبيب [و هو ابن عم المختار، فوجه الحجاج مكانه لحربه عبد الرحمن بن الأشعث، فلم يقابل شبيبا و رجع، فوجه مكانه عثمان بن قطن الحارثي، فالتقوا في أواخر السنة فقتل عثمان بن قطن و انهزمت جموعه بعد أن قتل من أصحابه ستمائة نفس، فمن أعيانهم عقيل بن شداد السلولي، و خالد بن نهيك الكندي، و الأسود بن ربيعة، و استفحل أمر شبيب و تزلزل له عبد الملك بن مروان و الحجاج و سائر الأمراء و خاف عبد الملك منه خوفا شديدا، فبعث له جيشا من أهل الشام فقدموا في السنة الآتية، و إن ما مع شبيب شرذمة قليلة، و قد ملأ قلوب الناس رعبا] [١] و جرت خطوب كثيرة له معهم، و لم يزل ذلك دأبه و دأبهم حتى استهلت هذه السنة.
قال ابن جرير: و في هذه السنة نقش عبد الملك بن مروان على الدراهم و الدنانير و هو أول من
[١] سقط من المصرية