البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٨ - فصل
و انصرف الخبيث من ولده يقسم الخبيث من ماله، إن الذين يعقلون يعقلون ما أقول، ثم نزل.
و قال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه عن جده عن عمر بن عبد العزيز أنه قال:
ما حسدت الحجاج عدو اللَّه على شيء حسدي إياه على حبه القرآن و إعطائه أهله عليه، و قوله حين حضرته الوفاة: اللَّهمّ اغفر لي فان الناس يزعمون أنك لا تفعل. و قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثنا على بن الجعد حدثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبى سلمة الماجشون عن محمد بن المنكدر. قال:
كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت: اللَّهمّ اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل. قال: و حدثني بعض أهل العلم قال قيل للحسن: ان الحجاج قال عند الموت كذا و كذا، قال: قالها؟ قالوا: نعم! قال فما عسى. و قال أبو العباس المري عن الرياشي عن الأصمعي قال: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول:
يا رب قد حلف الأعداء و اجتهدوا* * * بأنني رجل من ساكني النار
أ يحلفون على عمياء ويحهم* * * ما علمهم بعظيم العفو غفار
قال فأخبر بذلك الحسن فقال: باللَّه إن نجا لينجون بهما. و زاد بعضهم في ذلك:-
إن الموالي إذا شابت عبيدهم* * * في رقهم عتقوهم عتق أبرار
و أنت يا خالقي أولى بذا كرما* * * قد شبت في الرق فأعتقني من النار
و قال ابن أبى الدنيا: ثنا أحمد بن عبد اللَّه التيمي قال: لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مطعم الطعام، و ميتم الأيتام، و مرمل النساء، و مفلق الهام، و سيد أهل الشام قد مات، ثم أنشأت تقول:-
اليوم يرحمنا من كان يبغضنا* * * و اليوم يأمننا من كان يخشانا
و روى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه أنه أخبر بموت الحجاج مرارا فلما تحقق وفاته قال: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد للَّه رب العالمين) و روى غير واحد أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكرا للَّه تعالى، و كان مختفيا فظهر، و قال اللَّهمّ أمّته فأذهب عنا سنته.
و قال حماد بن أبى سليمان: لما أخبرت إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح. و قال أبو بكر بن أبى خيثمة: ثنا سليمان بن أبى شيخ ثنا صالح بن سليمان قال قال زياد بن الربيع بن الحارث لأهل السجن يموت الحجاج في مرضه هذا في ليلة كذا و كذا، فلما كانت تلك الليلة لم ينم أهل السجن فرحا، جلسوا ينظرون حتى يسمعوا الناعية، و ذلك ليلة سبع و عشرين من شهر رمضان، و قيل كان ذلك لخمس بقين من رمضان، و قيل في شوال من هذه السنة، و كان عمره إذ ذاك خمسا و خمسين سنة، لأن مولده كان عام الجماعة سنة أربعين، و قيل بعدها بسنة، و قيل قبلها بسنة، مات بواسط