البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٧ - فصل
و روى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال: الحجاج مؤمن بالجبت و الطاغوت، كافر باللَّه العظيم.
كذا قال و اللَّه أعلم. و قال الثوري عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: عجبا لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمنا؟! و قال الثوري عن ابن عوف: سمعت أبا وائل يسأل عن الحجاج أ تشهد أنه من أهل النار؟ قال أ تأمروني أن أشهد على [١] اللَّه العظيم، و قال الثوري عن منصور:
سألت إبراهيم عن الحجاج أو بعض الجبابرة فقال: أ ليس اللَّه يقول أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ و به قال إبراهيم و كفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج. و قال سلام بن أبى مطيع لأنا بالحجاج أرجى منى لعمرو بن عبيد، لأن الحجاج قتل الناس على الدنيا، و عمرو بن عبيد أحدث للناس بدعة شنعاء، قتل الناس بعضهم بعضا، و قال الزبير: سببت الحجاج يوما عند أبى وائل فقال:
لا تسبه لعله قال يوما اللَّهمّ ارحمني فيرحمه، إياك و مجالسة من يقول أ رأيت أ رأيت. و قال عوف:
ذكر الحجاج عند محمد بن سيرين فقال: مسكين أبو محمد، إن يعذبه اللَّه عز و جل فبذنبه، و إن يغفر له فهنيئا له، و إن يلق اللَّه بقلب سليم فهو خير منا، و قد أصاب الذنوب من هو خير منه.
فقيل له ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم اللَّه تعالى منه الحياء و الايمان، و أن يعلم أن اللَّه حق، و أن الساعة حق قائمة، و أن اللَّه يبعث من في القبور.
و قال أبو قاسم البغوي: ثنا أبو سعيد ثنا أبو أسامة قال قال رجل لسفيان الثوري: أ تشهد على الحجاج و على أبى مسلم الخراساني أنهما في النار؟ قال: لا! إن أقرّا بالتوحيد. و قال الرياشي: حدثنا عباس الأزرق عن السري بن يحيى قال: مر الحجاج في يوم جمعة فسمع استغاثة فقال: ما هذا؟
فقيل أهل السجون يقولون قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم اخسئوا فيها و لا تكلمون. قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة حتى قصمه اللَّه قاصم كل جبار. و قال بعضهم: رأيته و هو يأتى الجمعة و قد كاد يهلك من العلة. و قال الأصمعي: لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته فقال في خطبته: إن طائفة من أهل الشقاق و النفاق نزغ الشيطان بينهم فقالوا: مات الحجاج، و مات الحجاج فمه؟! فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت؟ و اللَّه ما يسرني أن لا أموت و أن لي الدنيا و ما فيها، و ما رأيت اللَّه رضى التخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس، قال اللَّه له إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ فأنظره إلى يوم الدين، و لقد دعا اللَّه العبد الصالح فقال هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فأعطاه اللَّه ذلك إلا البقاء، و لقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ فما عسى أن يكون أيها الرجل، و كلكم ذلك الرجل، كأنى و اللَّه بكل حي منكم ميتا، و بكل رطب يابسا، ثم نقل في أثياب أكفانه ثلاثة أذرع طولا في ذراع عرضا، فأكلت الأرض لحمه، و مصت صديده،
[١] كذا بالأصول.