البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٥ - فصل
أو يوم إلا و الّذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم عز و جل، سمعته من نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم)»
و هذا رواه البخاري عن محمد بن يوسف عن سفيان و هو الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس قال: «لا يأتى عليكم زمان إلا و الّذي بعده شر منه» الحديث.
قلت: و من الناس من يروى هذا الحديث بالمعنى فيقول:
كل عام ترذلون. و هذا اللفظ لا أصل له، و إنما هو مأخوذ من معنى هذا الحديث، و اللَّه أعلم.
قلت: قد مر بى مرة من كلام عائشة مرفوعا و موقوفا: كل يوم ترذلون. و رأيت للإمام أحمد كلاما قال فيه: و روى في الحديث كل يوم ترذلون نسما خبيثا. فيحتمل هذا أنه وقع للإمام أحمد مرفوعا، و مثل أحمد لا يقول هذا إلا عن أصل، و قد روى عن الحسن مثل ذلك، و اللَّه أعلم. فدل على أن له أصلا إما مرفوعا و إما من كلام السلف، لم يزل يتناوله الناس قرنا بعد قرن، و جيلا بعد جيل، حتى وصل إلى هذه الأزمان، و هو موجود في كل يوم، بل في كل ساعة تفوح رائحته، و لا سيما من بعد فتنة تمرلنك، و إلى الآن نجد الرذالة في كل شيء، و هذا ظاهر لمن تأمله، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
و قد قال سفيان الثوري عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي. قال: يأتى على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج. و قال أبو نعيم عن يونس بن أبى إسحاق عن أبى السفر. قال قال الشعبي:
و اللَّه لئن بقيتم لتمنون الحجاج. و قال الأصمعي: قيل للحسن: إنك تقول: الآخر شر من الأول، و هذا عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج. فقال الحسن: لا بد للناس من تنفيسات.
و قال ميمون بن مهران: بعث الحجاج إلى الحسن و قد هم به، فلما قام بين يديه قال: يا حجاج كم بينك و بين آدم من أب؟ قال: كثير، قال: فأين هم؟ قال: ماتوا. قال: فنكّس الحجاج رأسه و خرج الحسن. و قال أيوب السختياني: إن الحجاج أراد قتل الحسن مرارا فعصمه اللَّه منه، و قد ذكر له معه مناظرات، على أن الحسن لم يكن ممن يرى الخروج عليه، و كان ينهى أصحاب ابن الأشعث عن ذلك، و إنما خرج معهم مكرها كما قدمنا، و كان الحسن يقول: إنما هو نقمة فلا تقابل نقمة اللَّه بالسيف، و عليكم بالصبر و السكينة و التضرع. و قال ابن دريد عن الحسن بن الحضر عن ابن عائشة. قال: أتى الوليد بن عبد الملك رجل من الخوارج فقيل له: ما تقول في أبى بكر و عمر؟
فأثنى خيرا، قال فعثمان؟ فأثنى خيرا، قيل له: فما تقول في على؟ فأثنى خيرا، فذكر له الخلفاء واحدا بعد واحد، فيثنى على كل بما يناسبه، حتى قيل له: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ فقال:
الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من بعض خطاياه؟.] [١]
و قال الأصمعي عن على بن مسلم الباهلي قال: أتى الحجاج بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها و هي لا تنظر إليه و لا ترد عليه كلاما، فقال لها بعض الشرط: يكلمك الأمير و أنت معرضة عنه؟
[١] زيادة من المصرية.