البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣١ - فصل
عن عمرو بن عروة عن أبى البختري قال: قالوا لعلى: حدثنا عن أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: عن أيهم؟ قالوا: حدثنا عن ابن مسعود. قال: علم القرآن و السنة ثم انتهى، و كفى بذلك علما.
و في رواية عن على قال: علم القرآن ثم وقف عنده و كفى به.
فهداتنا الصحابة العالمون به، العارفون بما كان عليه، فهم أولى بالاتباع و أصدق أقوالا من أصحاب الأهواء الحائدين عن الحق، بل أقوال الحجاج و غيره من أهل الأهواء: هذيانات و كذب و افتراء، و بعضها كفر و زندقة، فان الحجاج كان عثمانيا أمويا، يميل إليهم ميلا عظيما. و يرى أن خلافهم كفر. و يستحل بذلك الدماء، و لا تأخذه في ذلك لومة لائم] [١].
و من الطامات أيضا ما رواه أبو داود: ثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقانيّ ثنا جرير. و حدثنا زهير بن حرب ثنا جرير عن المغيرة عن بزيع بن خالد الضبيّ قال: سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي: للَّه عليّ أن لا أصلى خلفك صلاة أبدا، و إن وجدت قوما يجاهدونك لأجاهدنك معهم. زاد إسحاق فقاتل في الجماجم حتى قتل. فان صح هذا عنه فظاهره كفر إن أراد تفضيل منصب الخلافة على الرسالة، أو أراد أن الخليفة من بنى أمية أفضل من الرسول. و قال الأصمعي: ثنا أبو عاصم النبيل ثنا أبو حفص الثقفي قال: خطب الحجاج يوما فأقبل عن يمينه فقال: ألا إن الحجاج كافر، ثم أطرق فقال: إن الحجاج كافر، ثم أطرق فأقبل عن يساره فقال: ألا إن الحجاج كافر، فعل ذلك مرارا، ثم قال: كافريا أهل العراق باللات و العزى. و قال حنبل بن إسحاق: ثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة ثنا ابن شوذب عن مالك بن دينار قال: بينما الحجاج يخطبنا يوما إذ قال: الحجاج كافر، قلنا: ما له؟ أي شيء يريد؟
قال: الحجاج كافر بيوم الأربعاء و البغلة الشهباء. و قال الأصمعي قال عبد الملك يوما للحجاج:
ما من أحد إلا و هو يعرف عيب نفسه، فصف عيب نفسك، فقال: اعفنى يا أمير المؤمنين، فأبى، فقال: أنا لجوج حقود حسود، فقال عبد الملك: ما في الشيطان شر مما ذكرت. و في رواية أنه قال:
إذا بينك و بين إبليس نسب.
و بالجملة فقد كان الحجاج نقمة على أهل العراق بما سلف لهم من الذنوب و الخروج على الأئمة، و خذ لانهم لهم، و عصيانهم، و مخالفتهم، و الافتيات عليهم، قال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو صالح عبد اللَّه بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن شريح بن عبيد عمن حدثه قال: جاء رجل إلى عمر ابن الخطاب فأخبره أن أهل العراق حصبوا أميرهم فخرج غضبان، فصلى لنا صلاة فسها فيها، حتى جعل الناس يقولون: سبحان اللَّه سبحان اللَّه، فلما سلم أقبل على الناس فقال: من هاهنا من أهل الشام؟
[١] سقط من نسخة طوب قبو بالأستانة.