البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣ - ثم دخلت سنة ست و سبعين
الآخر، و قد قتل من الخوارج نحو السبعين و قتل من أصحاب ابن مروان نحو الثلاثين، و هربت الخوارج في الليل فخرجوا من الجزيرة و أخذوا في أرض الموصل ومضوا حتى قطعوا الدسكرة، فبعث إليهم الحجاج ثلاثة آلاف مع الحارث بن عميرة، فسار نحوهم حتى لحقهم بأرض الموصل و ليس مع صالح سوى تسعين رجلا، فالتقى معهم و قد جعل صالح أصحابه ثلاثة كراديس، فهو في كردوس، و شبيب عن يمينه في كردوس، و سويد بن سليمان عن يساره في كردوس، و حمل عليهم الحارث بن عميرة، و على ميمنته أبو الرواع الشاكري، و على ميسرته الزبير بن الأرواح التميمي، فصبرت الخوارج على قلتهم صبرا شديدا، ثم انكشف سويد بن سليمان، ثم قتل صالح بن مسرح أميرهم، و صرع شبيب عن فرسه فالتف عليه بقية الخوارج حتى احتملوه فدخلوا به حصنا هنالك، و قد بقي معهم سبعون رجلا، فأحاط بهم الحارث بن عميرة و أمر أصحابه أن يحرقوا الباب ففعلوا، و رجع الناس إلى معسكرهم ينتظرون حريق الباب فيأخذون الخوارج قهرا، فما رجع الناس و اطمأنوا خرجت عليهم الخوارج على الصعب و الذلول من الباب فبيتوا جيش الحارث بن عميرة فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، و هرب الناس سراعا إلى المدائن، و احتاز شبيب و أصحابه ما في معسكرهم، و كان جيش الحارث بن عميرة أول جيش هزمه شبيب، و كان مقتل صالح بن مسرح في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة من هذه السنة.
و فيها دخل شبيب الكوفة و معه زوجته غزالة، و ذلك أن شبيبا جرت له فصول يطول تفصيلها بعد مقتل صالح بن مسرح، و اجتمعت عليه الخوارج و بايعوه، و بعث إليه الحجاج جيشا آخر فقاتلوه فهزموه ثم هزمهم بعد ذلك، ثم سار فجاز المدائن فلم ينل منهم شيئا، فسار فأخذ دوابا للحجاج من كلوذا، و في عزمه أن يبيت أهل المدائن فهرب من فيها من الجند إلى الكوفة، فلما وصل فلهم إلى الحجاج جهز جيشا أربعة آلاف مقاتل إلى شبيب، فمروا على المدائن ثم ساروا في طلب شبيب فجعل يسير بين أيديهم قليلا قليلا و هو يريهم أنه خائف منهم، ثم يكر في كل وقت على المقدمة فيكسرها و ينهب ما فيها، و لا يواجه أحدا إلا هزمه، و الحجاج يلح في طلبه و يجهز إليه السرايا و البعوث و المدد و شبيب لا يبالي بأحد و إن ما معه مائة و ستون فارسا، و هذا من أعجب العجب، ثم سار من طريق أخرى حتى واجه الكوفة و هو يريد أن يحاصرها، فخرج الجيش بكماله إلى السبخة لقتاله، و بلغه ذلك فلم يبال بهم بل انزعج الناس له و خاف منه و فرقوا منه، و هم الجيش أن يدخل الكوفة خوفا منه و يتحصنوا بها منه، حتى قيل لهم إن سويد بن عبد الرحمن في آثارهم و قد اقترب منهم، و شبيب نازل بالمدائن بالدير ليس عنده خبر منهم و لا خوف، و قد أمر بطعام و شواء أن يصنع له فقيل له: قد جاءك الجند فأدرك نفسك، فجعل لا يلتفت إلى ذلك و لا يكترث بهم و يقول للدهقان الّذي يصنع له