البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢ - ثم دخلت سنة ست و سبعين
فبينما هو ليلة يصلى من الليل إذ قبضت روحه و هو ساجد. و رأت ابنته في المنام كأن أباها قد مات فانتبهت مذعورة فقالت لأمها أين أبى؟ قالت: هو في مصلاه، فنادته فلم يجبها، فجاءته فحركته فسقط لجنبه فإذا هو ميت (رحمه اللَّه)، قال أبو عبيدة و محمد بن سعد و خليفة و غير واحد: كانت وفاته سنة خمس و سبعين، و قال غيرهم: كانت وفاته في أول إمرة معاوية فاللَّه أعلم. و قد توفى في هذه السنة.
الأسود بن يزيد
صاحب ابن مسعود، و هو الأسود بن يزيد النخعي من كبار التابعين، و من أعيان أصحاب ابن مسعود، و من كبار أهل الكوفة، و كان يصوم الدهر، و قد ذهبت عينه من كثرة الصوم، و قد حج البيت ثمانين حجة و عمرة، و كان يهل من الكوفة، توفى في هذه السنة، و كان يصوم حتى يخضر و يصفر، فلما احتضر بكى فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: ما لي لا أجزع؟ و من أحق بذلك منى؟
و اللَّه لو أنبئت بالمغفرة من اللَّه لأهابن الحياء منه مما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه و بين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه فلا يزال مستحييا منه.
حمران بن أبان
مولى عثمان بن عفان كان من سبى عين النمر اشتراه عثمان، و هو الّذي كان يأذن الناس على عثمان توفى في هذه السنة و اللَّه سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ست و سبعين
كان في أولها في مستهل صفر منها ليلة الأربعاء اجتماع صالح بن مسرح أمير الصفرية، و شبيب ابن يزيد أحد شجعان الخوارج، فقام فيهم صالح بن مسرح فأمرهم بتقوى اللَّه و حثهم على الجهاد، و أن لا يقاتلوا أحدا حتى يدعوه إلى الدخول معهم، ثم مالوا إلى دواب محمد بن مروان نائب الجزيرة فأخذوها فنفروا بها، و أقاموا بأرض دارا ثلاثة عشر ليلة، و تحصن منهم أهل دارا و نصيبين و سنجار، فبعث إليهم محمد بن مروان نائب الجزيرة خمسمائة فارس عليهم عدي بن عدي بن عميرة، ثم زاده خمسمائة أخرى فسار في ألف من حران إليهم، و كأنما يساقون إلى الموت و هم ينظرون، لما يعلموا من جلد الخوارج و قوتهم و شدة بأسهم، فلما التقوا مع الخوارج هزمتهم الخوارج هزيمة شنيعة بالغة.
و احتووا على ما في معسكرهم، و رجع فلهم إلى محمد بن مروان، فغضب و بعث إليهم ألفا و خمسمائة مع الحارث بن جعونة، و ألفا و خمسمائة مع خالد بن الحر، و قال لهما: أيكما سبق إليهم فهو الأمير على الناس، فساروا إليهم في ثلاثة آلاف مقاتل، و الخوارج في نحو من مائة نفس و عشرة أنفس، فلما انتهوا إلى آمد توجه صالح في شطر الناس إلى خالد بن الحر، و وجه شبيبا في الباقي إلى الحارث ابن جعونة، فاقتتل الناس قتالا شديدا إلى الليل، فلما كان المساء انكشف كل من الفريقين عن