نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٦٠ - في الرجل يحسن الشيء من عمل البناء فيوكل لعمله
و عمان) فقال: انزوه يعني صبوه في المسجد، و كان أكثر مال أتي به (صلى الله عليه و سلم) من الدراهم، أو من الخارج فلا ينافي أنه غنم في خيبر ما هو أكثر منه، و قسمه و خرج إلى المسجد و لم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة جاء إليه فجلس فما كان يرى أحدا إلا أعطاه إذ جاء العباس فقال: يا رسول اللّه أعطني فإني فديت نفسي و فديت عقيلا فقال له: خذ فحثى في ثوبه فلم يستطع، فقال: يا رسول اللّه مر بعضهم يرفعه علي، قال: لا. قال: فارفعه أنت علي فقال: لا فنثر العباس منه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول اللّه مر بعضهم يرفعه علي قال. قال: فارفعه أنت علي قال لا فنثر منه ثم احتمله فالقاه على كاهله. قال ابن كثير: كان العباس شديدا طويلا نبيلا فاحتمل ما يقارب أربعين ألفا، فانطلق فما زال (صلى الله عليه و سلم) يتبعه بصره حتى خفي عليه عجبا من حرصه فما قام (صلى الله عليه و سلم) و ثمّ منها درهم.
و في رواية ابن أبي شبية: كان مائة ألف درهم، و أنه أرسله له العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: و هو أول مال حمل له (صلى الله عليه و سلم)، و كان يبذل المال مرة للفقير، أو المحتاج. و مرة ينفقه في سبيل اللّه، و تارة يتألف به، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى و قيصر، و يعيش في نفسه عيشة الفقراء. و ربما ربط الحجر على بطنه، فلا تنافي بين أحواله من السعة و الضيق، و بين ما ذكر أولا و أخيرا.
قال الطبري كما في الفتح: إن ذلك كان في حالة دون حالة لا لعذر و ضيق، قال الحليمي كما في شعب الإيمان، من تعظيمه (عليه السلام) أن لا يوصف بما هو عند الناس من أوصاف الضعة فلا يقال كان فقيرا، و أنكر بعضهم إطلاق الزهد عليه. و قد ذكر القاضي عياض في الشفاء، و عنه التقي السبكي: أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل صالح الطليطلي و صلبه، لتسميته النبي (صلى الله عليه و سلم) يتيما، و زعمه أن زهده لم يكن قصدا، و لو قدر على الطيبات أكلها ا ه.
و ذكر الشيخ بدر الدين الزركشي عن الشيخ تقي الدين السبكي، و حكاه عنه أيضا و له في التوشيح أنه كان يقول: لم يكن (صلى الله عليه و سلم) فقيرا من المال قط، و لا حاله حال فقير، بل كان أغنى الناس فقد كفي أمر دنياه في نفسه و عياله، و كان يقول في قوله. (عليه السلام): اللهم أحيني مسكينا أن المراد به استكانة القلب، لا المسكنة التي هي أن لا يجد ما يقع موقعا من كفايته، و كان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك ا ه.
و لما نقله القسطلاني في المواهب قال الزرقاني في شرحها: و هو حسن نفيس. و أما اللفظ الشائع و هو: الفقر فخري و به أفتخر. فقال الحافظ ابن تيمية و العراقي و ابن حجر باطل موضوع ا ه.
قال بعض العصريين: و على فرض وجود أصل له فمعناه الافتخار بالفقر و إيثاره على الغنى حالة نشأ الإسلام و تكوينه، فإن عقب الهجرة النبوية لم يكن في الإمكان تربية و إنشاء الثروة إذا ذاك، و لا ريب أن الفقر في سبيل اللّه غاية و في سبيل الدولة و الدين و الوطن مزية