نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٩ - المسافة التي كان يأتي منها الزرع و غيره
المذكورة عن الإصابة، و أخرج البخاري [١] في البيوع قال: بينما نحن نصلي مع النبي (صلى الله عليه و سلم)، إذ أقبلت من الشام عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي (صلى الله عليه و سلم) إلا اثنا عشر رجلا فنزلت: وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: ١٠].
و انظر أيضا ترجمة جلب دقيق الحواري و السمن و العسل من الشام إلى المدينة فيما سيأتي و ذلك يدل على أن المدينة صارت سوق العرب، تقصد بالبضائع من الأطراف البعيدة، و انظر ترجمة نبهان الأنصاري من الإصابة. و في تاريخ الخلفاء للسيوطي أن عمر أول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة (البحر الأحمر) إلى المدينة.
قلت: و ذلك في الخليج الذي فتح بعد فتح مصر و كان يمتد من الفسطاط إلى السويس و الذي تولى حفره عمرو بن العاص في خلافة سيدنا عمر فعرف بخليج أمير المؤمنين، و صار الصلة العظمى بين مصر و البحر الأحمر و الهند و سبب حفره على ما في الخطط للمقريزي أن الناس في المدينة قحطوا، فأعانهم عمرو بن العاص بعير أوّلها كان بالمدينة و آخرها بمصر فأمر معمر بفتح هذا الخليج، ليتيسر النقل في البحر بدل الظهر فلم يأت الحول حتى سارت فيه السفن، فصار يحمل فيه ما يراد للحرمين الشريفين ثم غلب عليه الرمل فانقطع آخر الدولة الأموية، انظر الخطط المقريزية و الخطط التوفيقية ففيهما كلام مشبع عن هذا الخليج و نقل الثاني ص ١٢٠ من ج ١٩ عن الكندي في كتاب الجند العربي؛ أن عمرو بن العاص حفره في سنة ٢٣ و فرغ منه في ستة أشهر، و جرت فيه السفن و وصلت إلى الحجاز في الشهر السابع، ثم نقل عن ابن الطوير أن مسافته خمسة أيام و كانت المراكب النيلية تفرغ و تحمل منه من ديار مصر بالقلزم، فإذا فرغت حملت من القلزم ما وصل من الحجاز و غيره إلى مصر. و كان مسلك التجار و غيرهم.
و ذكر أيضا أنه بقي مفتوحا إلى زمن أبي جعفر المنصور و لما ظهر محمد النفس الزكية بالحجاز أمر عامله على مصر بردم خليج مصر، لقطع الميرة عن البلاد الحجازية، فردم و صار نسيا منسيا و بقي كذلك ألف سنة، إلى أن حفرت الترعة أخيرا [٢] و ذكر أيضا أن عمر ربما توقف في فتح هذا الخليج قائلا: إن هذا الاتصال ربما أوجب اغارة الروم و هجومهم على الحجاز و لذا قال علي مبارك في ص ١٢٤ من ج ١٩ أن فتح ترعة البرزخ في زمانه آخر القرن المنصرم فتح على مصر أبوابا لم يكن من قدرتها إقفالها ا ه و قال غيره من الكتاب المعاصرين: إن فتح خليج السويس كان من أشد الآفات على ممالك الشرق ا ه فرضي اللّه عن عمر ما أصدق حدسه.
[١] كتاب البيوع ج ٣/ ٦.
[٢] في أيام الخديو إسماعيل ١٨٦٩.