نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٧٩ - باب من عرف بالكرم و الجود من الصحابة
قلت: هذه القصة من عظيم ما جاء عن ذلك التاريخ، مما يدل على التوسع و الرفاهية، و لذيذ المطعم، و فيه قوة عمارة المدينة، و أنها كانت تحمل أن يذبح فيها مثل ذلك العدد من ذوات الكبد، و لا يعد ذلك تضييعا للمال، و ما كان الصحابة يأتون من الأعمال الحامل عليها منهم التقرب إليه (عليه السلام) بكل غال و رخيص، و قال ابن المسيب كما في الاصابة: عن سعد كنا عند النبي (صلى الله عليه و سلم) فأقبل العباس فقال: هذا أجود قريش كفا، و أخرج أبو نعيم عن المسوّر بن مخرمة قال: باع عبد الرحمن بن عوف أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك المال في بني زهرة، و فقراء المسلمين، و أمهات المؤمنين.
و بعث معي إلى عائشة بمال من ذلك المال، فقالت له عائشة: أما أني قد سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: لن يحنو عليكن بعدي إلا الصالحون، سقى اللّه ابن عوف من سلسبيل الجنة.
فهذا يدل على ارتفاع الأرضين في زمن الخلفاء الراشدين، فإن البلدة التي يكون ثمنها الآن نحو الثمانين ألف ريال بلدة عظيمة، فكيف بها هناك في ذلك الزمن، و يدل على عظيم بذل الصحابة و برّهم و هبتهم، فبخ بخ لتلك الهمم القعساء، و الخلل الشماء.
و أخرج الإمام أحمد [١] و أبو نعيم قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتا رجت منه المدينة فقالت؛ ما هذا فقالوا عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف، من الشام، و كانت سبعمائة بعير فقالت عائشة: أما أني سمعت النبي (صلى الله عليه و سلم) يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الحنة حبوا، فبلغ ذلك ابن عوف، فأتاها فسألها عما بلغه، فحدثته فقال: إني أشهدك أنها بأحمالها و أقتابها و أحلاسها في سبيل اللّه، و أخرج أبو نعيم و ابن عساكر، عن الزهري قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفا، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل اللّه، ثم حمل على ألف و خمسمائة راحلة في سبيل اللّه، و كان عامة ماله من التجارة، و لما ذكر ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزية، أن الزبير كان له ألف عبد يؤدون له الخراج، كتب عليه الشمس الحفني في حواشيه أي: في كل يوم فيتصدق في مجلسه به و لا يقوم بدرهم ا ه.
و أخرج الروياني و ابن عساكر، عن حبيب ابن أبي ثابت، أن أبا أيوب أتى معاوية فشكا له أن عليه دينا، فلم ير فيه ما يحبه و رأى ما يكرهه، فقال سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: إنكم سترون بعدي أثرة قال: فأي شيء قال لكم؟ قال: اصبروا. قال: فاصبروا.
قال: فو اللّه لا أسألك شيئا أبدا، فقدم البصرة فنزل على ابن عباس، ففرغ له بيته و قال:
لأصنعن لك كما صنعت برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأمر أهله فخرجوا، و قال له: لك ما في البيت كله، و أعطاه أربعين ألفا و عشرين مملوكا: انظر فضائل أبي أيوب من كنز العمال. و ترجم
[١] انظر ج ٦ ص ١١٥ من المسند.