نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٩٣ - باب في اعتناء الصحابة و من كان في زمنهم بنسخ المصاحف و تلاوتهم القرآن فيها
أبو المواهب جعفر بن ادريس الكتاني في فهرسته، و تلميذه المطلع المحدث، أبو عبد اللّه محمد المدني ابن جلون، في كناشته أنه نقل من خط شيخ الأول قاضي الجماعة بفاس شارح تيسير ابن الدّيبع أبي محمد عبد الهادي بن عبد اللّه العلوي المدغري، أن جده العلامة مولاي التهامي، نظم تركة النبي (صلى الله عليه و سلم) و ذلك في قوله:
قد خلف الرسول تسعا تعرف * * * سجادة و سبحة و مصحف
وقفتان، و سواك و حصير * * * مشط و نعلان و ابريق منير
واضعها مكتوبة في منزله * * * يدوم أمن أهله و نزله
فعد منها المصحف و السبحة، و ربما يستغرب ذلك، و يستنكر أما المصحف فلما اشتهر، و تقرر أن أبا بكر أول من جمع القرآن، فلعله أراد بالمصحف المعدود من المتخلفات النبوية؛ تلك الصحف التي كان يكتب فيها القرآن، وقت نزوله من عظم و نحوه، و قد قال ابن سعد في الطبقات: إن عمر أول من جمع القرآن في المصحف ا ه ص ٢٠٢ من ج ٣ من القسم ١.
و قال الخزاعي في فصل: إن عمر أول من دوّن الدواوين، و قد كان أبو بكر جمع القرآن في صحف، و بقيت تلك الصحف عند حفصة أم المؤمنين، إلى زمن عثمان ذكر ذلك أبو محمد بن عطية و غيره، و كان جماعة من الصحابة قد جمعوه أيضا قبل ذلك، و من أشهرهم عبد اللّه بن مسعود.
قال أبو عمر ابن عبد البر: إن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب و هو بعرفات فقال:
جئتك من الكوفة و تركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلب، فغضب لذلك عمر غضبا شديدا، و قال: و يحك من هو؟ قال: عبد اللّه بن مسعود. فذهب عنه ذلك الغضب، و سكن إلى حاله. و قال: و اللّه ما أعلم من الناس أحدا هو أحقّ بذلك منه ا ه.
و قالوا: إن عثمان حين أكمل كتب المصحف أمر بانتزاع ما عند الصحابة من المصاحف، فانتزعت إلا مصحف عبد اللّه بن مسعود ا ه.
فهذا يدل على أنه كانت مصاحف جمعت قبل مصحف عثمان، و إنما نسبوا ذلك له، لأنه المصحف الذي بعث نسخه إلى الأمصار، و ابتهج المسلمون به في جميع الأقطار ا ه.
ثم بعد كتبي هذا بمدة وجدت بخط سيدنا الخال (رحمه الله) إثر الأبيات السابقة ما نصه: و المراد بالمصحف ما جمعه الصحابة، مما بين الدفتين أي اللوحين من القرآن، و في البخاري: باب من قال: لم يترك النبي (صلى الله عليه و سلم) إلا ما بين الدفتين، ثم ذكر بسنده إلى ابن عباس، و ابن الحنفية، أنه لم يترك إلا ذلك، لأنه جمع في الصحف ثم جمعت تلك الصحف في المصحف بعد النبي (صلى الله عليه و سلم)، فكان التأليف في الزمن النبوي و الجمع في الصحف في زمن الصديق، و النسخ في المصاحف في زمن عثمان. و قد كان القرآن كله مكتوبا في