نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٩ - باب ما ذكر في الأسواق
و التعفف على الناس، و قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٢٠] ا ه.
و ترجم ابن رشد في جامع البيان و التحصيل، في جواز دخول أهل الفضل الأسواق و مقاربتهم في البيع و الشراء، ثم ذكر عن مالك أنه سئل عن الرجل له فضل و صلاح يحضر السوق يشتري لنفسه فيقارب في ذلك لفضله و لحاله، قال: لا بأس بذلك و قد كان عمر بن الخطاب يدخل السوق، و سالم بن عبد اللّه إن كان ليقعد في سوق الليل، و يجلس معه رجال و إن الحرس ليمرون بجلسائه فيقولون: يا أبا عمر أمن جلسائك؟ فقيل له ما بال الحرس؟ قال: يطردون منه السفه و العبث.
قال ابن رشد: و أما جواز دخول الأسواق و المشي فيها، فكفى في الحجية في ذلك قول اللّه عز و جل: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٢٠]. ردا لقول المشركين: ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٧].
وقع في بعض الكتب: أمن جلسائك؟ و المعنى في ذلك إعلامهم إياه أنهم يحفظونهم بمجالستهم إياه فهم آمنون. و المعنى فيما داخل الكتاب الاستفهام في الرجل: هل هو من جلسائه؟ فيحفظونه من أهل السفه كما يحفظونه و جلساءه منه ا ه.
ثم ترجم البخاري أيضا باب السخب في الأسواق، و هو الصياح. نقل الدماميني عليها عن ابن المنير ترجم كثيرا على إباحة السوق ثم ترجم هنا على السخب فيها قال: و كان البخاري صاحب تجارة و زرع. و قال: يروي أنه أعطي ببضاعة له خمسة آلاف فذكر في نفسه و لم يتلفظ، فأعطي فيها بعد ذلك أضعاف الأولى ألوفا مؤلفة قال: لا، قد كنت ركنت إلى الأولى، فحاسب نفسه على الهواجس التي لا تلزم ا ه.
قلت: و بذلك و بغيره مما تقدم و يأتي تعلم ما في قول أبي علي اليوسي في قانونه:
توفي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن ألوف من الصحابة ما كان يحسن الواحد منهم أن يشتري حاجة من السوق بقيراط، و هم فقهاء في دين اللّه ا ه فإن هذا الاطلاق بصيغة الشمول و الاستغراق عجيب من مطلقه، و أغرب ما يذكر عن عالم مثله إلا أن يكون عنى أهل الصفة، الذين كانوا كما سبق انقطعوا للعبادة و التأله و التعلم، و هم لم يصلوا إلى الألوف، على أن انقطاعهم لا عن جهل بالبيع و الشراء، بل ايثارا لما يبقى على ما يفنى. و قد قال ابن الحاج في المدخل: أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كانوا في الأسواق يتجرون و في حوائطهم يعملون، و قد ترجم البخاري أيضا باب: كسب الرجل و عمله بيديه، فذكر فيه عن عائشة لما استخلف أبو بكر الصديق قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، و شغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، و أحترف فيه للمسلمين، قال الحافظ: حديث أبي بكر هذا و إن كان ظاهره الوقف و لكنه بما اقتضاه من أنه قبل أن