نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٩٧ - خاتمة
و الموجود منها غير كاف لأنّ أكثر ما كان جمع و صنف أحرق أثناء الغارات، و قد ضاع من ذلك في وقعة التتر ما لم يذكر التاريخ أفظع منه، ألقي في نهر الدجلة حتى وقف عن الجريان، و اسودّ ماؤه بكثرة مداد ألقي فيه من الكتب الإسلامية، بل قد وجدت الشكاية باندثار أكثر كتب السلف قبل وقعة التتر، و ذلك من الحافظ ابن الجوزي في كتاب صيد الخاطر قال:
كانت همم القدماء عالية، تدل عليها تصانيفهم، التي هي زبدة أعمارهم، إلا أنّ أكثر التصانيف اندثرت، لأنّ همم الطلاب ضعفت، فصاروا يطلبون المختصرات، و لا ينشطون للمطوّلات. ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها، فاندثرت الكتب، و لم تنسخ.
و يذكر التاريخ العربي عن مدينة قرطبة بالأندلس، أنها كانت أكثر بلاد اللّه كتبا، و أن مسيحي إسبانيا لما استولوا على قرطبة أحرقوا كل ما طالت إليه أيديهم، من مصنفات المسلمين، و عددها مليون و خمسون ألف مجلد، و جعلوها زينة و شعلة في يوم واحد، ثم رجعوا على تسعين مكتبة في الأندلس، و صاروا يتلفون كلّ ما عثروا عليه في كل إقليم، من مؤلفات العرب ذكر ذلك (موندي) في تاريخه ا ه.
و قال أحد مؤرخيهم (ويلس): إن ما أحرقه الإسبان من كتب الأندلس، ألف ألف و خمسة آلاف مجلد، و قال في وفيات الأسلاف إن أسقف طليطلة أحرق من الكتب الإسلامية العالية ما ينيف على ثمانين ألاف كتاب، و أنّ الإفرنج لما تغلبوا على غرناطة أحرقوا من الكتب النفيسة، ما تتجاوز ألف ألف، و أنهم قبضوا على ثلاث سفن قاصدة مراكش، تقلّ ما عزّ على المسلمين أن يخلّفوه وراءهم، فألقوها في قصر الإسكوريال، ثم لعبت بها النيران، و بقيت منها بقية رتّب فهرستها أحد مسيحي سورية، و جعلوها إلى اليوم مكتبة ينتابها علماء الأرض. و كان بقي منها على عهد من رتبها ١٨٥١ سفرا.
و رأيت بعض برنامجها أسماء الكتب العربي فيما قرب بقلم محمد محمود الشنقيطي، الشهير لما توجه إليها أيام السلطان عبد الحميد، فإذا هو تافه جدا بالنسبة للمظنون، أما بالنسبة لما كان بالمكاتب الأندلسية فلا نسبة. فقد ذكر صاحب الوافي في المسألة الشرقية أنه كان بمكتبة قرطبة وحدها على عهد الإسلام ستمائة ألف مجلد، من الكتب المختارة ا ه منه ص ١٧٢.
قال المرجاني بعد ذكر بعض ما ذكر في وفيات الأسلاف: و بالجملة فلم يبق من آثار علماء الإسلام إلا النادر الأقل [من] القليل ا ه منه ص ٣٢٥.
و قال بعض المؤرخين المصريين: إن الباقي من الكتب التي ألفها المسلمون ليس إلا نقطة من بحر، مما أحرقه الصليبيون، و التتر، و الأسبان، ا ه.
و لذلك قلت قديما: إن آثار الأسلاف أتى عليها ناهبان قويان، جيش الإنسان و جيش الحيوان، و قد جاء في تاريخ الوافي في المسألة الشرقية ص ١٧١ أن من مكتبة فاس