نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٨٣ - باب في ذكر من كان يقرأ الكتب القديمة من الصحابة و يعلم ما فيها
قلت: و بذلك تعلم ما حكاه الزركشي في التلقيح؛ من الإجماع على عدم جواز الاشتغال بكتابة التوراة و الإنجيل و نظرها، قال: و قد غضب النبي (صلى الله عليه و سلم) حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة، و قال: لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي، و لو لا أنه معصية ما غضب منه ا ه.
و نقل نحوه الشيخ زكريا الأنصاري في شرحه على البخاري؛ عن الشمس البرماوي بلفظه: و للّه در الحافظ ابن حجر فإنه اعترضه قائلا: الذي يظهر أن كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم، و الأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن و يصر من الراسخين في الإيمان، فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف الراسخ؛ فيجوز له و لا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، و قد فعل ذلك جمع من الأمة. ثم قال: و أما استدلاله للتحريم بما ورد من الغضب و دعوى أنه لو لم يكن معصية ما غضب فهو معترض بأنه يغضب من فعل المكروه، و من فعل ما هو خلاف الأولى، إذا صدر ممن لا يليق به ذلك، كغضبه من تطويل معاذ صلاة الصبح بالقراءة، و قد يغضب ممن يقع منه تقصير في فهم الأمر الواضح، مثل الذي سأل عن لقطة الإبل ا ه.
قال الشيخ زكريا إثره: و هو أوجه ا ه بواسطة الفجر الساطع انظر آخر كتاب التوحيد، و نقل كلام الحافظ هذا أيضا الشهاب ابن حجر الهيثمي في فتاويه الفقهية ص ٤٩ ج ١ قائلا: و ما ذكره واضح لا محيد عنه، و كل ما ذكره الزركشي و غيره محمول على غير متمكن، أو متمكن لم يقصد بالنظر فيها مصلحة دينية، أو متمكن قصد ذلك فلا وجه لمنعه، و يأتي ما ذكر في التوراة و الإنجيل ا ه.
و مما يتفرع عن حكم قراءة الكتب القديمة النقل منها، و في تكملة الديباج في ترجمة أبي العباس أحمد بن بقي، و مسألة النقل من التوراة و الإنجيل هي إحدى المسائل الواقعة بين البرهان البقاعي و الحافظ السخاوي، و ألف كل منهما ردا على الآخر؛ البقاعي يجوزه و السخاوي يمنعه ا ه.
قلت: سمي السخاوي كتابه الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة و الإنجيل انظره و في ترجمة الإمام شرف الدين يحيى المناوي من طبقات حفيده [عبد الرءوف المناوي] لدى ذكره نثره، و منه ما كتبه في تقريظ على مناسبات القرآن للبقاعي، لما اعترضه جماعة من أهل عصره منهم السخاوي في نقله عن التوراة و الإنجيل، و أفتى بعضهم بحرمة ذلك و وجوب غسل المناسبات لما تضمنته من ذلك، فكتب الشرف على الكتاب و كان أول من كتب بحسن صنيع البقاعي، ثم قال: و لا يقال قد استوضح في بعض المناسبات بما جاء في التوراة و الإنجيل؛ لأنه اقتدى في ذلك بأئمة الإسلام أهل الأصول و التأصيل، كعبد اللّه بن عمرو في صفة سيد الأنام، و بعده الأئمة الأعلام، فتعين القول بالجواز على من اتّضح ذلك لديه، و المنع على من اشتبه ذلك عليه ا ه من الطبقات.