نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٥٤ - باب في من كان يضرب به المثل في الحلم من الصحابة
و رجعوا إلى اليمن، ثم ارتد الأشعث زمن الردة، فأسرته خيل أبي بكر، و جاءوا به إليه فأسلم، و قال للصديق: استبقني لحربك و زوجني أختك، فزوّجه أخته لأبيه أم فروة ا ه.
قال الثعالبيّ: فأصبح صبيحة البناء شاهرا سيفا فلم يلق ذات أربع، مما يؤكل لحمه إلا عقرها، فقال الناس: هذا الأشعث ارتدّ ثانيا، ثم إنه قال: يا أهل المدينة إنا و اللّه لو كنا ببلادنا لأولمنا فاجتزوا من هذه اللحمان، و تصادفوا في الأثمان. فلم تبق دار من دور المدينة إلا دخلها من تلك اللحوم، و لم يمر يوم أشبه بيوم الأضحى من ذلك، فضرب أهل المدينة المثل لوليمة الأشعث، و أولم من الأشعث، و في الأجوبة المهمة للشيخ المختار الكنتي نقلا عن الحافظ المنذري: أن أعظم وليمة بلغنا خبرها وليمة الأشعث بن قيس الكندي، حين تزوج أم فروة، فكانت وليمة ألف رأس من إبل و بقر و غنم ا ه و انظر ترجمته من الإصابة.
باب في من كان يضرب به المثل في الحلم من الصحابة
كان يضرب المثل في الحلم بالأحنف بن قيس التميمي السعدي، و في الزهد لأحمد عن الحسن عن الأحنف: لست بحليم و لكني أتحلم.
و ترجم النووي في التهذيب؛ لقيس بن عاصم الصحابي المشهور فقال: وفد على النبي (صلى الله عليه و سلم) فقال له لما رآه: هذا سيد أهل الوبر. و كان قيس عاقلا حليما مشهورا بالحلم، و قيل: للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم قال: من قيس بن عاصم، رأيته يوما بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه، يحدث قومه، فأتي برجل مكتوف و آخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك، قال: فو اللّه ما حل حبوته، و لا قطع كلامه، فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه و قال: يا ابن أخي بئس ما فعلت أثمت عند ربك فقطعت رحمك، و قتلت ابن عمك، و رميت نفسك بسهمك و فتت عضدك ثم قال لابن له آخر: قم يا بني إلى ابن عمك فحلّ كتافه، و وار أخاك، و سق إلى أمك مائة ناقة من الإبل، دية ابنها فإنها غريبة.
قال الجاحظ: قد ذكروا في الإشعار حلم لقمان، و ذكروا قيس بن عاصم، و معاوية بن أبي سفيان، و رجالا كثيرين، ما رأينا هذا الاسم التزق و التحم بإنسان و ظهر على الألسنة كما رأيناه تهيأ للأحنف بن قيس، ثم كان على ذلك رئيسا في أكثر الفتن، فلم ير حاله عند الخاصة و العامة، و عند النساك و الفتاك، و عند الخلفاء الراشدين، و الملوك المشتغلين، و لا حاله في حياته، و لا حاله بعد موته، إلا مسنونا فينبغي أن يكون قد سبقت له من النبي (صلى الله عليه و سلم) دعوة، و نال منه كما رووه و ذكروه، أو يكون قد كان يضمر حسن النية، و من شدة الإخلاص، ما لم يكن عليه أحد من نظرائه ا ه.
قلت: دعاء المصطفى له قد ساقه الحافظ في ترجمته في القسم الثالث من الإصابة، و هو قوله (عليه السلام): اللهم اغفر للأحنف و ذكر إن الأحنف كان يقول: ما من شيء من