نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٤٦ - باب من كان يعرف فيهم بباب مدينة العلم
على عظيم علمه بقوله: في الحديث الثابت في الصحيحين [١]: و اللّه لأقاتلن من فرّق بين الصلاة و الزكاة، و اللّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لقاتلتهم على منعه.
و استدل الشيخ أبو إسحاق بهذا و غيره في طبقاته؛ على أن أبا بكر أعلم الصحابة، لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكمة في المسألة إلا هو، ثم ظهر لهم بمباحثته في المسألة أن قوله هو الصواب فرجعوا إليه.
و روينا عن ابن عمر أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؟ فقال: أبو بكر و عمر، ما أعلم غيرهما. و في الصحيحين [٢] في قصة خطبة النبي (صلى الله عليه و سلم) قبيل موته في العبد الذي خيّره اللّه بين الدنيا و بين ما عنده، فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه فكان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، هو المخيّر و كان أبو بكر أعلمنا.
و في حديث السقيفة قول عمر: و كان من أعلم الناس باللّه، و أخوفهم للّه، و قال ابن كثير: كان الصديق اقرأ الصحابة، أي أعلمهم بالقرآن، لأنه (صلى الله عليه و سلم) قد قدمه إماما للصلاة بالصحابة، مع قوله: يؤم القوم أقرأهم لكتاب اللّه، و كان مع ذلك أعلمهم بالسنة، كما رجع إليه الصحابة في غير موضع، يبرز عليهم بنقل من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يحفظها هو، و يستحضرها عند الحاجة إليها، ليست عندهم. و كيف لا يكون كذلك؛ و قد واظب على صحبة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؛ من أول البعثة إلى الوفاة. و هو مع ذلك من أذكى عباد اللّه، و أعقلهم. و إنما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلا القليل، لقصر مدته، و سرعة وفاته، و إلا فلو طالت مدته لكثر ذلك عنه جدا و لم يترك الناقلون عنه حديثا إلا نقلوه و لكن كان الذي في زمنه من الصحابة لا يحتاج أحد منهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته، فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم، و كان من أعلم الناس بالأنساب و التعبير، ثم عقد السيوطي فصلا لما روي عنه من الحديث، فأوصل مرويّه إلى مائة و أربعة أحاديث. و ساقها. و كان مع ذلك أسدّ الصحابة رأيا، و أكملهم عقلا انظر تاريخ الخلفاء له، و قد سبق و يأتي عن جماعة أن عليا كان أفضل الصحابة من جهة العلم، أشهر به من غيره، و علمه و فتاويه و حكمه و وقائعه تشهد لذلك، انظر الكتب المؤلفة في تراجمه و هي كثيرة لا حصر لها.
باب من كان يعرف فيهم بباب مدينة العلم
خرّج الترمذي من حديث علي رفعه: أنا مدينة العلم و على بابها، و قال: منكر، و جزم جماعة ببطلانه، لكن قال الحافظ أبو سعيد العلائي: الصواب أنه حسن باعتبار طرقه، لا صحيح و لا ضعيف، فضلا عن أن يكون موضوعا ا ه و كذا قال الحافظ ابن حجر
[١] انظر كتاب الاعتصام في البخاري ج ٨/ ١٤١ و كتاب الإيمان في مسلم ص ٥٢/ ١.
[٢] انظر في البخاري كتاب مناقب الأنصار باب ٤٥ ص ٢٥٣/ ٤ و في مسلم كتاب فضائل الصحابة ص ١٨٥٤/ ٢.