نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٣٣ - باب في ذكر توسعه
قلت: و ذلك منه (عليه السلام) امتثال لأمر اللّه له، ففي القرآن: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥]. و قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء: ٢٦ أ] بمعنى و ذكرهم بوقائع اللّه التي وقعت للأمم السالفة، و يريد أن يعرفكم ما خفي عنكم من مصالحكم، و محاسن أعمالكم ببيانها، و يهداكم مناهج من تقدمكم، من أهل الرشد و الخير، لتسلكوا مسالكهم، فإن التاريخ يبحث فيه عن أحوال الأمم الخالية و الأجيال الفانية، مع ضبط أشخاصهم بأسمائهم و ألقابهم، و كناهم و أنسابهم و استيعاب رسومهم و أخبارهم، و بضائع علومهم و آثارهم، و صنائع الطوائف و عوائدهم، و سقوطهم و نهضتهم، و هو علم يتنافس فيه عقلاء الأمم و الأجيال، و يتفاخر به الملوك و الأقيال، و تسمو إلى معرفته حتى السوقة و الأغفال، و تشد إلى تحصيله الركائب و الرحال.
و ناهيك أن اللّه قص علينا في القرآن ما دار بين الأنبياء و أممهم، و أوضح لنا بيان مدتهم و مواطنهم، و أسماء أماكنهم كسبإ، و الأحقاف، و الحجر، و مكة، و المدينة، و مدين، و مصر، و أرشدنا بذلك إلى تعاقب أدوار الزمان، و التحول و النضارة و الذبول، و العمار و الدمار، و أمرنا بالمسير لننظر الحقائق، و نتناظر فيها، و نجانب الظنون، و لا نركن إليها، و لنطلع على عجائب صنع اللّه فيها، و امتن عل عباده بالجبال الشاهقة، التي يأوون إليها و يعتصمون فيها، و بالبحار الزاخرة الواسعة، التي ينتفعون بما يخرج منها، و يسافرون عليها، و بالحدائق المزينة بالأزهار، المطرزة بالثمار، و ذكر لنا الجب و الكهف و الأخدود و الغار، و القصر و البيت و الدار، و القرى، و المدائن، و البروج، و الحصون و المساكن، و البيع و الصلوات، و المقاعد و العمد، و المحاريب، و المساجد و المجالس، و التناد و الصخر و الواد، و عنّف القاعدين الذين لم يركبوا متن الآمال الواسع، و استبعدوا المحل الشاسع، و لم يهجروا المضجع الوثير، لطلب المحل الأثير فقال تعالى: أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ أَثارُوا الْأَرْضَ وَ عَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [الروم: ٩] و حضّ سبحانه على النظر و التأمل و الاعتبار بقوله، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ [الروم: ٤٢] و لا يرد على ما ذكر أول الترجمة حديث: لا سمر إلا لمصل أو مسافر، فهو عند أحمد بسند فيه راو مجهول. قال الحافظ في الفتح: و بتقدير ثبوته فالسمر في العلم يلحق بالصلاة النافلة، و قد سمر عمر مع أبي موسى في مذاكرة الفقه، فقال أبو موسى: الصلاة فقال عمر: إنا في صلاة.
قلت: القصة التي أشار لها الحافظ خرّجها عبد الرزق، و ابن أبي شيبة عن أبي بكر ابن أبي موسى، أن أبا موسى أتى عمر بن الخطاب بعد العشاء فقال له عمر: ما جاء بك؟
قال: جئت أتحدث إليك قال: هذه الساعة قال: إنه فقه، فجلس عمر فتحدث طويلا، ثم إن أبا موسى قال الصلاة يا أمير المؤمنين قال إني في الصلاة.