نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٦٨ - باب في اتخاذ الكاغد من القطن في أواخر أيام الصحابة بجزيرة العرب
في بلاد المغرب، و بالجملة و إن كان ابتداء هذه الصناعة في أهل الصين و لكن الإسلاميين اهتموا في إصلاحها، و بلغوها إلى غاية كمالها، و نشروها في الأقطار، و كثّروها في الأمصار، و منهم انتقل إلى أوروبا. و كان قبل ظهور الإسلام يكتب في القضيم [١]، و لا يتيسر للأكثر لندرته و غلاء قيمته، فظهرت صناعة اتخاذ الكاغد في الإسلام، و اعتنى أهله حتى جاءوا من وراء الغاية، بحيث يظهر في الصفحة صورة الناظر، و تكون على ألوان مختلفة و نقوش مستحسنة ا ه.
و في المطالع النصرية للشيخ نصر الهوريني: و كان الصحابة و من تبعهم قبل أن يكثر الكاغد أي الورق الذي كان يجلب من الهند، يكتبون آيات القرآن و غيرها على عسيب السعف، و هو الأصل العريض من جريدة النخل، و على الألواح من اكتاف الغنم و غيرها، من العظام الطاهرة، و الخرق و الأدم أي الجلود مثل رق الغزال، فقد جمعت بعض آيات قرآنية، و في البخاري [٢] لما نزلت آية لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ٩٥] قال (عليه السلام) للبراء بن معرور: أدع لي زيدا ليجيء باللوح و الدواة و الكتف لخ.
و روي أن عثمان بعث إلى أبي بن كعب بكتف شاة مكتوب عليها بعض قرآن ليصلح بعض حروفه، و في بعض روايات البخاري [٣]: أن المصطفى قال قبل موته بأربعة أيام:
ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي. و يروى أن الشافعي كان كثيرا ما يكتب المسائل على العظام، لقلة الورق حتى ملأ منها الخبايا، و رأيت بعض مصاحف مكتوبة على رق الغزال.
نعم المصاحف التي أمر عثمان بنسخها و إرسالها إلى الأمصار؛ كانت على الكاغد ما عدا المصحف الذي كان عنده بالمدينة، فإنه على رق الغزال كما شوهد بمصر ا ه منه على ما فيه.
و في فضائل عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم المصري أن عمر كتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم: أما بعد فقد قرأت كتابك إلى سليمان تذكر أنه كان يجري على من قبلك من أمراء المدينة من القراطيس لحوائج المسلمين كذا و كذا، فأبليت بحوائجك فيه فإذا جاءك كتابي هذا، فارق القلم و أجمع الخط، و اجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنه لا حاجة للمسلمين في فضل أضر بيت مالهم و السلام عليك ا ه.
هذا يدل على ما كان يفرق على أمراء العمالات و الجهات في زمن سليمان بن عبد الملك من القراطيس للكتابة و ذلك أواخر القرن الأول من الهجرة.
[١] أي الجلد الأبيض كما في القاموس و يقال له أيضا رق الغزال.
[٢] انظر كتاب فضائل القرآن ص ٩٩ ج ٦ باب ٤.
[٣] انظر كتاب الجزية و الموادعة ص ٦٦ ج ٤.