نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٠٤ - و السمن و العسل من الشام إلى المدينة و أكل المصطفى
قال شيخنا الأستاذ الوالد في تحديد الأسنة، عقب حديث أكله (عليه السلام) خالص الدقيق المذكور: فإن قلت خرّج الترمذي في الشمائل عن سهل بن سعد [١]، أنه قيل: أ أكل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) النقي؟ يعني الحوار. قال سهل: ما رأى (صلى الله عليه و سلم) النقي حتى لقي اللّه عز و جل.
قلت: أخبر (رضي الله عنه) بحسب اطلاعه و منتهى علمه، و إلا فالمثبت مقدم على النافي.
و من أثبت حجة على من نفى. و لم يحط أحد بأحوال النبي (صلى الله عليه و سلم) ا ه.
و في طبقات ابن سعد أن ابن عمر كان يستحب أن يطيّب زاده، و أنه قيل لنافع: أ كان ابن عمر يصيب من هذا الطعام؟ فقال: كان ابن عمر يأكل الدجاج و الفراخ، و الخبيص في البرمة.
و في أوائل السيوطي: أول من خبص الخبيص عثمان، خلط العسل و النقي من الدقيق ثم بعث به إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى منزل أم سلمة، و فيها أيضا: أول من أدخل الفالوذج ديار العرب أمية ابن أبي الصلت، أطعمه بعض الناس ذلك بالشام، فبلغ ذلك عبد اللّه بن جدعان فوجه إلى اليمن من جاء له بمن يعمل له الفالوذج بالعسل، و في مناهج الأخلاق السنية للفاكهي: و في رواية جمع و صححها الحاكم، كما نبه عليه الشيخ محمد الشافعي في سيرته: أهدى ملك الهند إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) هدايا منها جرة فيها زنجبيل، فأطعم كل إنسان قطعة قطعة. قال أبو سعيد الخدري و أطعمني رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قطعتين ا ه.
و قد قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه صيد الخواطر: بلغني عن بعض زهاد زماننا أنه قدم له طعام فقال: لا آكل. قيل له: لم؟ فقال لأن نفسي تشتهيه و أنا منذ سنين ما بلغت نفسي ما تشتهي. فقلت لقد خفيت طرق الصواب عن هذا من وجهين:
و سبب خفائها عدم العلم. أما الوجه الأول فإن النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يكن على هذا و لا أصحابه، و قد كان (عليه السلام) يأكل لحم الدجاج و يحب الحلوى و العسل. و دخل فرقد السنجي على الحسن و هو يأكل الفالوذج فقال: يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال: لا آكله و لا أحب من يأكله فقال الحسن: لعاب النحل، بلباب البر، بسمن البقر هل يعيبه مسلم؟ و جاء رجل إلى الحسن فقال: إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال: و لم؟ قال: يقول لا أؤدي شكره فقال:
إن جارك جاهل، و هل يؤدي شكر الماء البارد؟ و كان سفيان الثوري يحمل في سفره الفالوذج و اللحم المشوي و يقول: إن الدابة إذا أحسن إليها عملت، و جيء إلى علي بفالوذج فأكل منه، و قال: ما هذا قالوا: نور النيروز. فقال: نورزونا في كل يوم. فينبغي للإنسان أن يتبع الدليل، لا أن يتبع طريقا و يطلب دليلها، و قد قالت رابعة: إن كان صلاح قلبك في الفالوذج فكل منه، و لا تكن ممن يرى صور الزهد، فرب مشبع لا يريد الشبع و إنما يريد المصلحة، و ليس كل بدن يقوى على الخشونة؛ خصوصا من قد لاقى الكل [الكلل] و أجهده الفكر.
[١] انظر باب صفة خبز رسول (صلى الله عليه و سلم) ص ٩٣ من الطبعة الأولى ١٣٤٤ ه.