فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٣٨٥ - الباب الحادي و الأربعون في نتف من لطائف ثنائه على ربّه و أدعيته و شرائف خطبه و موعظته الفصاح، و طرف من طرائف أقضيته و غرائب كتبه و أجوبته الملاح
و الحركات و لا بالجوارح و الأدوات، لا يقال له: متى و لا يضرب له أمد بحتّى، الظاهر [١]. لا يقال ممّ و لا نازل بهلّا و لا ممازج معا، ليس له أنداد و لا أضداد، مطهّر من الأزواج بريء من الأولاد، خلق السماوات بأحسن التقدير و أنشأها بألطف التدبير، و أقام سبع سماوات بعد أن لم تكن و كانت و أمسكها بعد إذ جالت كالبحار و مارت، حصنها فشيّد بنيانها و زيّنها بالنجوم السائرة، فأبّد دورانها و جعل سكّانها الملائكة الأبرار، يقدّسون الواحد القهّار، خلق حول السماء عمّارا هم للّه مسبحون دائبون و من خشيته مشفقون، و لو أبت السماوات و الأرض إذ قال لهما: ائتيا طوعا أو كرها إذا لصبّ عليهم العذاب من بعد الإباء، فلم يكن له مانع و لا عن عذابه عاصم.
و كيف تأبين طاعته و هو ملك جبّار مهيمن قهّار لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار، عالم بما دبّ و درج في الأقطار، و ما يسقط من ورق الأشجار و حبّ الثمار، و مفيض الجداول و الأنهار، و ما طفى و رسب في قاموس البحار، و ما واراه الثرى و جلمود الأحجار، و ما قرّ على الأرض من قرار، سبحانه من إله لا يرام و قيوم لا ينام، لا يزول لاختلاف الأزمان و لا لتقلّب شأن بعد شان.
و كيف يوصف بالأشباح من أقرّت بوحدانيته الألسن الفصاح، لم يحلل في الأشياء فيقال:
هو فيها كائن، و لم يخل منها فيقال: هو عنها بائن، و لم يبعد بافتراق و لم يقرب بالتصاق، بل هو في الأشياء بلا كيف و لا أين، و هو أقرب إلى المرء من حبل الوريد، و أبعد في البعد من كلّ بعيد، لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة و لا كرور لفظة، و لا اختلاج خطرة و لا ازدلاف خطوة، في غسق ليل داج ... [٢] و لا إدلاج، لا يتفيّأ عليه القمر المنير و لا انبسط الشمس ذات النور، لا يصرفها الأفول و الكرور باقبال ليل مقبل و لا بإدبار نهار مدبر، أحصى كلّ شيء عددا قبل أن كان و بعد التكوين لها، فهو العالم بكلّ مكان و قبل كلّ حين و أوان، الأمد للخلق مضروب و الحدّ إلى غير اللّه منسوب، لم يخلق الأشياء من أصول أزلية و لا أوائل كانت قبله أبديّة، بل خلق ما خلق فأقام حدوده و صوّر ما خلق، فأحسن صوره و توحّد في علوّه، فليس
[١]. الى هنا في نهج البلاغة من خطبة: ١٦٣.
[٢]. كذا بياض في النسخ.