فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٣٩٨ - الباب الحادي و الأربعون في نتف من لطائف ثنائه على ربّه و أدعيته و شرائف خطبه و موعظته الفصاح، و طرف من طرائف أقضيته و غرائب كتبه و أجوبته الملاح
و لا يمكن أن يتأدّى هذه المعاني الدقيقة المحقّقة بلفظ أحسن من هذه الألفاظ، فجزى اللّه المرتضى أمير المؤمنين من بيانه للحقائق، و إرشاد السالكين إلى أمثل الطرائق، أفضل ما يجزي نبيّ وصيّ عن وصيّه، و وليّ عن وليّه.
١٠٤٢ و من بدائع كلماته (عليه السلام) و روائع عطائه ما كتب إلى ابنه الإمام أبي محمد الحسن (عليهما السلام) و التحيّة:
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
من الوالد الفاني المقرّ للزّمان، المدبر العمر، المستسلم للدهر، الذامّ للدنيا، التارك لها، الساكن مساكن الموتى، الظاعن إليهم غدا إلى الولد، المؤمّل ما لا يدرك السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام، و رهينة الأيّام، و رمية المصائب، و عبد الدنيا، و تاجر الغرور، و غريم المنايا، و أسير الموت، و قريع الهموم، و قرين الأحزان، و نصب الآفات، و صريع الشهوات، و حليف الموت، أو قال: و خليفة الأموات.
أمّا بعد، فإنّه كان فيما تبيّن لي من إدبار الدنيا عنّي، و جموح الدهر عليّ، و إقبال الآخرة إليّ، ما يزعني عن ذكر من سواي، و الاهتمام بما ورائي، غير أنّه حيث تفرّد بي- دون همّ الناس- همّي، فصدّقني رأيي، و تصرّف بي هوائي، و صرّح لي بمحض أمري، فأفضى بي إلى جدّ لا يزري به لعب، و صدق لا يشوبه كذب، و وجدتك بعضي، بل وجدتك منّي كلّي، حتّى لو أنّ شيئا أصابك أصابني، و كأنّ الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، فكتبت إليك يا بني كتابي هذا، إن أنا بقيت لك أو فميّت.
أوصيك بتقوى اللّه و لزوم أمره، و عمارة قلبك بذكر اللّه تعالى و تبارك، و الاعتصام بحبله، و أيّ سبب أوثق من سبب فيما بينك و بين اللّه تعالى إن أخذت به، فأحيي قلبك بالموعظة، و أمته بالزهد، و ذلّله بذكر الموت، و قوّه باليقين، و قرّره بالفناء، و زهّده في الدنيا، و بصّره بفجائع الدنيا، و حذّره صولة الدهر، و اخش تقلّب الأيّام، و أعرض عن الجهل، و انظر من كان قبلك سيرة في ديارهم و آثارهم، فانظر ما فعلوا، و أين حلّوا، و عمّا انتقلوا، فإنّك تجدهم قد انقلبوا عن دار الأحياء، و انتقلوا عن الأحبّة و حلّوا دار الغربة، و ناد في ديارهم: أيّتها الديار الخالية، أين أهلك؟ ثم قف على قبورهم، فقل: أيّتها الأجساد البالية، و العظام النخرة،