فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٣٩٢ - الباب الحادي و الأربعون في نتف من لطائف ثنائه على ربّه و أدعيته و شرائف خطبه و موعظته الفصاح، و طرف من طرائف أقضيته و غرائب كتبه و أجوبته الملاح
و لهوات، و يسمع لا بحروف [١] و أدوات، يقول و لا يلفظ، و يحفظ و لا يتحفّظ، و يريد و لا يضمر، يحبّ و يرضى من غير رقّة، و يبغض و يغضب من غير مشقّة. يقول لما يريد كونه:
«كن» فيكون! لا بصوت و لا نداء يسمع، و إنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه و مثّله، لم يكن قبل ذلك كائنا، و لو كان قديما لكن إلها ثانيا، لا يقال: كان بعد أن لم يكن، فتجري عليه الصفات المحدثات و لا يكون بينها و بينه فصل، و لا له عليها فضل، فيستوي الصانع و المصنوع، و يتكافأ المبتدع و البديع. خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره، و لم يستعن على خلقها بأحد من خلقه، و أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، و أرساها على غير قرار، و أقامها بغير قوائم، و رفعها بغير دعائم، و حصّنها من الأود و الاعوجاج، و منعها من التهافت و الانفراج، أرسى أوتادها، و ضرب أسدادها، و استفاض عيونها، و خدّ أوديتها، فلم يهن ما بناه، و لا ضعف ما قوّاه.
هو الظاهر عليها بسلطانه و عظمته، و هو الباطن لها بمعرفته، و العالي على كلّ شيء منها بجلاله و عزّته، لا يعجزه منها شيء طلبه، و لا يمتنع عليه فيغلبه، و لا يفوته السريع منها فيسبقه، و لا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه، خضعت الأشياء له، فذلّت مستكينة لعظمته، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فيمتنع من نفعه و ضرّه، و لا كفو له فيكافيه، و لا نظير له فيساويه، هو المفني لها بعد وجودها، حتّى يصير موجودها كمفقودها.
و ليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها و اختراعها! و كيف و لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها و بهائمها، و ما كان مراحها و سائمها، و أصناف أسناخها و أجناسها، و متبلّدة أممها و أكياسها، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، و لا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها، و لتحيّرت عقولها في علم ذلك و تاهت، و عجزت قواها و تناهت، و رجعت خاسئة حسيرة، عارفة بأنّها مقهورة، مقرّة بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضعف عن إفنائها.
و إنّه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها، بلا وقت و لا مكان، و لا حين و لا زمان، عدمت عند ذلك الآجال و الأوقات،
[١]. في المصدر: بخروق.