فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٣٣٤ - الباب التاسع و العشرون في أنّ فيه جميع ما في الناس من حسن الشمائل، و ليس في الناس ما فيه من المناقب العليّة و الفضائل
و احتجّوا بقوله تعالى أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ [١] و بقوله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَ مَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ [٢] و الإنفاق غليظ في المحنة، و هو يعدل البذل للنفس، فإنّهما جودان: جود بالنفس وجود بالمال، و ما سواهما محال عندهما.
ثم سألناهم عن الدرجة التي تلي درجة الإنفاق، فقالوا: درجة أهل الورع، و احتجّوا بقول اللّه عزّ و جلّ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [٣] و قوله تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [٤] فهذه علامات أهل الورع.
ثم سألناهم عن الدرجة التي تلي درجة أهل الورع، فقالوا: الزهد في الدنيا، و احتجّوا بقوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلى قوله تعالى:
كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [٥] و بقوله تعالى: أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ [٦] الآية.
فلمّا عرفنا هذه ما أجمعوا عليه من هذه الدرجات التي يتفاضل بها المؤمنون، قلنا لهم: خبّرونا عن هذه الدرجات التي قد اجتمعت في رجل، هل يدفعه أحد لم يجتمع فيه؟ قالوا: اللّهمّ لا، قلنا: فما حكمه؟ قالوا: حكمه أنّه أفضل المؤمنين، إلّا أن يكون مؤمن آخر قد اجتمعت فيه الدرجات فيكونا سواء، قلنا: فهل عندكم حجّة تدفعون بها هذه المقالة؟ قالوا: اللّهمّ لا، و ذلك أنّ كلّ درجة من هذه الدرجات قائمة بعينها، و قد أنزل اللّه سبحانه فيها كتابا، و وعد عليها ثوابا لا يشبه ما وعد اللّه تعالى في الدرجة الأخرى.
فلمّا أقروا بذلك، قلنا لهم: هل بقي شيء تحتجّون به و ترجعون عمّا أقررتم به؟
قالوا: لا نعرف في شيء من القرآن، و لا في قول قائل، و لا في المعقول، قلنا لهم:
خبّرونا عن هذه الدرجات من الذي اجتمعت فيه، و من فيه بعضها دون بعض، و سمّوهم لنا.
[١]. البقرة: ٢٥٤.
[٢]. محمد: ٣٨.
[٣]. المؤمنون: ١.
[٤]. النور: ٣٧.
[٥]. يونس: ٢٤.
[٦]. الحديد: ٢٠.