شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٢٣ - «الشرح»
..........
الخضوع و في ذلك مراتب متفاوتة و درجات متصاعدة أرفعها الوصول إلى ساحة الحقّ و الفناء المطلق [١] و الطيران في حظاير القدس بأجنحة الكمال مع الملائكة المقرّبين، بخلاف الجاهل فانّه لخلوّه عن تلك الحالات و غفلته عن تلك المعارف و الكمالات محبوس في ظلمات الطبيعة بعيد عن التشرّف بشرف تلك الفضيلة إذ قلبه في واد و جوارحه في واد آخر فلذلك أعماله غير منتظمة بروابط الخضوع و أفعاله غير متعلّقة بعلائق الخشوع و هو مع ذلك يعتقد لنفسه فضيلة كاملة و رفعة بالغة و رتبة فائقة [٢] و هذا معنى التطاول و حقيقة التفاضل كما هو المشاهد من
[١] الفناء المطلق في اصطلاح العرفاء و هو اعلى مدارج السالكين و قد سبق اشارة إليه في بعض الحواشى و اوردنا فيه حديثا من كتاب عين الحياة للمجلسى (رحمه اللّه) تعالى و ذكرنا تأويله للحديث بما يوافق مذاقه و لا يوافق مذاق الشارح (رحمه اللّه). (ش)
[٢] هؤلاء جماعة من الناس محبوسون في ظلمات الطبيعة لا يعترفون بغير الموجود الجسمانى و لا حقيقة عندهم غير الجسم و ادراك الجسم انما هو بالحواس فلا يعتمدون على غير الحس و يأولون جميع السعادات الحقيقية و اللذات الروحانية الى الجسمانيات حتى تكون شيئا يدرك بالحواس و اذا تصدوا لتعلم العلوم اختاروا شيئا يدرك بالسمع و البصر لا بالعقل و الفقه و الاصول و الكلام صعب عليهم لتوقفها على مقدمات تدرك بغير السمع و البصر كالاجماع و التواتر و القواعد العقلية التى تستعمل لاستفادة المعنى من اللفظ و انما يسهل عليهم الحفظ و الضبط فيدركون نقش الكتابة بالبصر و اصوات الكلمات بالسمع يحفظونها و يضبطون ادق و اكمل من العلماء المدققين و الكاملين لعدم توجه نفوسهم و اذهانهم الى غير النقوش و الاصوات و هذا عندهم فضيلة و ليس لهم هم بتهذيب النفس و الكمالات بل يختارون في العمل أيضا شيئا محسوسا مثلا اسباغ الوضوء و طول الركوع و تكثير الاذكار و التنطع في اخراج الحروف من مقاطعها من امور محسوسة و اما النية و حضور القلب و تخليصه من العجب و الرياء فأمور غير محسوسة لا يهتمون بها كثيرا و مع ذلك فليس هذا عيبا و مذمة الا اذا تطاولوا على العلماء و زعموا انفسهم اعلى درجة منهم و نسبوهم الى الضلال و ترك طريقة اهل البيت (عليهم السلام) كما كان دأب كثير من معاصرى الشارح ره. (ش)